مدير منظمة العفو الدولية في تونس لطفي عزوز ل”السفير”: التعذيب موسع و موجود في عديد المراكز و في عديد الجهات

تونس- حوارات السفير

” تم ارتكاب عديد التجاوزات في ما يتعلق بالتعذيب و غيره من ضروب سوء المعاملة… لا يمكن الاحتجاج بأي تعلة لتبرير الانتهاكات خاصة حين نتحدث عن الانتهاكات الجسيمة… نرى للأسف وجود حالة فراغ تسمح بتواصل الانتهاكات خاصة مع غياب رقابة قضائية على عمليات الاقامة الجبرية… لا توجد الجهة القادرة على توفير ضمانة و هذا في حد ذاته يعتبر تقصير و يعتبر اخلالا في مجال حقوق الانسان… التعذيب موسع و موجود في عديد المراكز و في عديد الجهات… لابد في اطار الحرب على الارهاب التأكيد على مسألة العدالة…”

حاوره: محمد أمين المكشاح

-ما تقييمكم للوضع الحقوقي سنة 2015 بالمقارنة مع السنوات التي تلت الثورة؟

بالنسبة لسنة 2015، لم يكن الأمر مرتبطا بتونس فقط لكن الملاحظ أنه يوجد تراجع على مستوى حقوق الانسان في العالم ككل، للأسف يوجد تراجع في مجال الحقوق و الحريات و ذلك نتيجة لحرب عالمية أو لتحركات عالمية باسم الحرب على الارهاب، والتي كانت من تأثيراتها التضييق على النشطاء، التضييق على المدافعين على حقوق الانسان اضافة الى حملات اعتقالات و اعتداءات، تم ارتكاب عديد التجاوزات في ما يتعلق بالتعذيب و غيره من ضروب سوء المعاملة و هذا في حد ذاته يعتبر تهديدا لما يمكن أن نعتبره مكاسب تم التنصيص عليها في الدستور لكن الى حدود سنة 2015 العديد من القوانين التي كنا ننتظر أن يتم اصدارها قصد ملائمة التشاريع الوطنية مع الاتفاقيات الدولية و الدستور لم يتم سنها. أيضا سجلنا العديد من الدعوات التي تنادي باستباحة الاعتداءات على الحقوق و على الحريات اضافة الى ممارسة التعذيب في اطار مكافحة الارهاب و عمليات الاعتقالات و المداهمات العشوائية التي وقعت على مدى سنة 2015، هذا و لا ننسى ملاحقة عديد الصحفيين و عديد النشطاء. بالنسبة للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في تونس الأمر لم يتغير للأسف، قامت الثورة من أجل الحقوق و من أجل الكرامة لكن لاحظنا عجزا من طرف السلطات التونسية على الايفاء بتعهداتها و قصورها عن الاستجابة لطموح الناس من تحقيق للكرامة، التخفيض من نسبة الفقر، التخفيض من نسبة كلفة المعيشة في تونس، التخفيض من البطالة.

-في سياق متصل، ما رأيكم في تمديد حالة الطوارئ و الاقامة الجبرية، يتساءل نشطاء المجتمع المدني عن كيفية التظلم في ما يتعلق بالاقامة الجبرية خاصة مع رفض السلطات تسليم نسخ من القرار؟

في البداية يحق للسلطة طبعا اعلان حالة الطوارئ، لكن بالنسبة للاعلان في حد ذاته فان السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية هي التي تملك السلطة في عملية التقدير لاعلان حالة الطوارئ بالاستناد للاجراءات، لا يطرح المشكل في اعلان حالة الطوارئ لكن في مجال توفير الضمانات، تستطيع الدولة اعلان حالة الطوارئ كما تستطيع أيضا أن تقوم بتقييد بعض الحقوق و بعض الحريات لكن في نفس الوقت لابد أن تستجيب عملية التقييد هذه لجملة من الشروط و بالتالي تكون مقبولة في دولة مدنية ديموقراطية، تطرح أيضا مسألة التناسب و اشكالية تناسب الاجراءات التي سيتم اتخاذها مع درجة الخطورة، هنا تبقى السلطة تقديرية لكن كان من المفروض توفير ضمانات للسلطة القضائية للرقابة. بالنسبة للانتهاكات، نحن ضد جميع الانتهاكات و لا يمكن الاحتجاج بأي تعلة لتبريرها خاصة حين نتحدث عن الانتهاكات الجسيمة التي من بينها الاسترقاق و الاستعباد و أيضا جريمة التعذيب و اساءة المعاملة و كذلك عملية القتل خارج اطار القضاء، هذه الجرائم مجرمة سواءا في حالات السلم أو في حالات الحرب ولا يمكن الاحتجاج بحالة الطوارئ أو غيرها.

نعود الى اشكال القوانين مع الدستور، وفر الدستور جملة من الضمانات كما ضمن جملة من الحقوق و الحريات، يوجد باب كامل يتعلق بالحقوق و الحريات لكننا نجد في ما يتعلق بالاقامة الجبرية أن قانونا سابق الوضع يعود الى السبعينات ينظمها، أغلب المنظومة التشريعية في تونس في تعارض تام مع الدستور بالاضافة الى التعارض البين و الواضح مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها و التي تأتي في مرتبة أعلى من القانون الوطني، أغلب الاتفاقيات التي تهم حقوق الانسان صادقت عليها تونس لكن يتم الاحتجاج بلترسانة القانونية القديمة التي تتضمن العديد من التجاوزات دون توفير ضمانات. كما أن القانون الذي ينظم حالة الطوارئ لا يسمح بوجود رقابة قضائية، هذا الاشكال الذي بقي موجودا، يعني من المفروض أن يكون القاضي حاميا للحقوق و الحريات لكن من خلال الاقامة الجبرية و الاستناد الى القانون القديم الذي في جوهره منافي للدستور و للضمانات الموجودة في باب الحقوق و الحريات. نرى للأسف وجود حالة فراغ تسمح بتواصل الانتهاكات خاصة مع غياب رقابة قضائية على عمليات الاقامة الجبرية يتم بواسطتها التأكد من جدوى هذا الاجراء و فاعليته، و بالتالي فان الانسان يبقى مشمولا بقرار دون توفير أي ضمانات، قد تظهر لاحقا وجاهة أو عدم وجاهة هذا القرار للاقامة الجبرية و انعكاساته، للأسف لا توجد الجهة القادرة على توفير ضمانة و هذا في حد ذاته يعتبر تقصير و يعتبر اخلالا في مجال حقوق الانسان.

-تطفوا على السطح قضايا تعذيب بين الحين و الآخر كما يؤكد نشطاء المجتمع المدني أن الاختفاء القسري لا يزال موجودا في تونس، ما رأيكم حول هذه النقطة؟

بالتأكيد، الاختفاء القسري لا يزال موجودا، تونس صادقت على الاتفاقية الدولية ضد الاختفاء القسري لكن للأسف منذ 2011 و الى حد الآن يسجل غياب تام في المنظومة التشريعية حتى للتنصيص على جريمة أو مفهوم الاختفاء القسري بالاضافة الى تجريمها، توجد حالات أخرى تم التنصيص عليها في المجلة الجزائية لكن الاختفاء القسري غائب، بالاضافة الى ذلك تبرز اشكالية أخرى تتعلق بما يتم اعتبارها عملية احتفاظ هي في الحقيقة اختفاء قسري اذا لم يتم اعلام العائلة والأهل و لم يتم السماح بالاتصال بالعالم الخارجي أو الاتصال بالمحامي، هذا لايزال موجودا في تونس بل و امتدت الظاهرة في اطار الحرب على الارهاب. يتم توظيف الحرب على الارهاب في التضييق على الحريات في كل العالم و ليس في تونس فقط، لاحظنا في تونس توظيف الحرب على الارهاب و شن حملة على المدافعين عن حقوق الانسان و ضد النشطاء أصبحت موسعة. في نفس السياق، حسب قانون مكافحة الارهاب تصل مدة الاحتفاظ الى خمسة عشر يوما و هذا فيه تعسف كذلك و فيه انتهاك للحقوق لأن الشخص يبقى في معزل عن العالم الخارجي و لا نعرف أين يوجد و ماذا تعرض له لمدة 15 يوم التي تعتبر مدة جد طويلة ممكن أن يتم فيها التعذيب بالاضافة الى أن في تونس ليس من حق المتهم أو الضحية أن يكون المحامي موجودا معه، يعني عملية الاختفاء لاتزال موجودة، عملية التعذيب للأسف و اساءة المعاملة لاتزال موجودة  في عديد الجهات و في عديد المرات، المجتمع المدني رصد العديد من الانتهاكات التي من المفروض أن تتخذ السلطات التونسية اجراءات من أجل وضع حد لها خاصة أن تونس سيتم عرض تقريرها أمام لجنة الاختفاء القسري التابعة للأمم المتحدة و هنا نذكر أنه لمدة خمس سنوات لم تحرز تونس أي تقدم في هذا المجال حيث كان من المفروض بعد المصادقة أن تقوم الدولة باتخاذ جملة من الاجراءات على مستوى المنظومة التشريعية لأجل وضع حد لهذه الظاهرة لكن بقيت نفس المنظومة التشريعية القديمة و كأنه لم تكن أية مصادقة، بالعكس تم من خلال قانون مكافحة الارهاب تمديد مدة عملية الاحتفاظ و الايقاف.

-أثارت قضية خلية القيروان جدلا واسعا ووصلت آثارها الى ايجاد خلافات بين الجهازين القضائي و الأمني كما أثار عدم محاسبة المتورطين في التعذيب استنكارا واسعا.

المشكل الأساسي يكمن في تعثرات في عملية الاصلاح في تونس لأنه كان من المفروض أن يتم اصلاح المؤسسات و الهياكل و التشريعات حتى تتضح كيفية التعامل و التصدي للجريمة سواءا الجريمة العادية أو الجريمة الارهابية، يبدو أن عدم التواصل بين الجهاز الأمني و الجهاز القضائي مرده أن الجهاز الأمني يقوم بالقاء القبض على أشخاص و يوجه لهم اتهامات لكن السلطة القضائية تقوم باطلاق سراحهم و تمتيعهم بعدم سماع الدعوى نتيجة عدم توفر الاجراءات، هنا لا بد أن توفر الدولة معدات و أدوات لأعوان الأمن من أجل توفير أكثر ما يمكن من الأدلة و رصد و توثيق الانتهاكات، في عديد البلدان يتم تمكينهم من أجهزة للتسجيل و هكذا حتى في حالة وجود انتهاك أعوان الأمن يتم تسجيل الوقائع، لا بد من توفير المعدات الضرورية من أجل التحقق أن الجريمة موجودة و في حالة ارتكابها يتم اثباتها، هنا للأسف يوجد نقص في المعدات و عدم تطوير قدرات الأعوان المسؤولين على انفاذ القوانين من أجل التصدي للجريمة و في نفس الوقت توفير ضمانات من أجل أن القضاء يقوم بالاضطلاع بمهامه كما ينبغي و خاصة أنه لا بد أن يتحقق التكامل لأن وظيفة الجهاز الأمني هي التصدي للجريمة و حماية المجتمع و وظيفة القاضي هي حماية المجتمع من خلال حماية الحقوق و الحريات و ردع الجرائم، للأسف لازال هذه الصراعات و الخلافات موجودة و ذلك نتيجة لتعثر عملية الاصلاح.

بخصوص محاسبة من تورط في ممارسة التعذيب، الواضح في تونس الى حد الآن أنه لم تتم محاكمة أعوان الأمن المتورطين في قضايا التعذيب، نسجل بخصوص القضايا المرفوعة في مجال التعذيب بالنسبة للسلطة القضائية تعثرا حتى في اصدار الأحكام و توجد عديد الحالات التي تم اثبات التعذيب فيها وهو ما أكدته التقارير الطبية، لكن نلاحظ ان المحاسبة غائبة في حين أن الافلات من العقاب متواصل.

-هل يمكن أن نفهم أنه يوجد قصور على المستوى المخابراتي؟

بالتأكيد، لو ننظر الى عمليات الاغتيال و العمليات الارهابية التي نفذت في تونس، نجد عملية التنبيه حسب أن العديد من السفارات كانت تؤكد انه وقع تنبيه السلطات التونسية التي لم تتخذ الاجراءات اللازمة و هنا لابد من تحديد المسؤوليات و تطوير الجهاز الأمني الذي يجدر بنا أن نذكر أنه شهد تطورا من حيث الآداء و أحبط العديد من العمليات الارهابية و العديد من التهديدات في الفترة الأخيرة، صحيح أنه يشهد بعض الصعوبات لكن توجد نجاحات و في نفس الوقت اخفاقات، و هذا السبب الذي يدفعنا للمناداة بتطوير الهياكل اذ لابد من هياكل واضحة و ليس اعادة الهياكل مثل ما كانت موجودة في عهد بن علي مثل الهياكل سرية التي تهدد البلاد، لابد أن يتم التنصيص على كل هيكل موجود، مثلا لم يكن التنصيص على البوليس السياسي موجودا في هيكلية وزارة الداخلية أو في الرائد الرسمي و بالتالي كان شبه سري، لابد أن تكون تراتبية واضحة حتى يقوم الجهاز الأمني بمهامه كما ينبغي و تحميل المسؤولية لكل جهاز يفشل في تحقيق الأمن و توفير الحماية للمواطنين.

-التعذيب في تونس ممنهج و سياسة دولة، هذا ما يذهب اليه العديد من النشطاء، فما مدى صحة هذا الرأي؟

هذا من الصعب التصريح به، اذ حتى نقول أن هذه الممارسات هي سياسة دولة لا بد أن يثبت اعطاء أوامر و لا بد أن تكون الدولة متساهلة بهذا الخصوص، اذا قلنا أنه ممنهج يعني لابد أن يكون موسعا و تكون الممارسات نابعة من تعليمات، الارادة المعلنة للسلطة التنفيذية و أعلى هرم الدولة تضع عنوان عدم التساهل و التسامح مع التعذيب، هذا ما تم التصريح به على مستوى كبار مسؤولي الدولة. على مستوى السلطة التأسيسية أو التشريعية تم اتخاذ جملة من الاجراءات، على الأقل اصلاحات في مستوى الدستور من أجل وضع حد للافلات من العقاب و تجريم التعذيب ككل و يجب التأكيد هنا أن التصريح بكون العمليات ممنهجة و موسعة ممكن يحتاج الى أكثر وقت، نتفق على أن التعذيب موسع و موجود في عديد المراكز و في عديد الجهات يتم ارتكاب التعذيب و اساءة المعاملة لكن القول بكونه ممنهجا لابد التأكد منه.

-تم تسجيل العديد من الشهادات التي تظهر استغلال عدد من أعوان الداخلية لقضايا الارهاب في تصفية حسابات شخصية

لايزال توظيف الخلافات الشخصية أو المشاكل الذاتية في الوظيفة موجودا، و نطالب من خلال الاصلاح و تطوير قدرات الجهاز الأمني للابتعاد عن كل هذه المسائل و الاتهامات الجزافية، كلنا نعلم كيف تم في عهد بن علي توظيف مكافحة الارهاب لاستباحة حقوق الانسان و تصفية العديد من الخصوم السياسيين و غيرهم من ضحايا التهم الكيدية الذين لم تكن لهم أي علاقة، نرى في الفترة الأخيرة أنه يتم توجيه تهم الارهاب و الانتماء لخلايا ارهابية لعديد الأشخاص الذين يتم اطلاق سراحهم نتيجة عدم توفر الأدلة و اتضاح كيدية التهم و هنا لابد من أن تتخذ وزارة الداخلية الاجراءا اللازمة اذا وجد من أعوانها من يقوم باعطاء معلومات غير سليمة و اذا كانت تتكرر العملية و التأكد من وجود خلاف شخصي أم لا، لابد أن تحرص وزارة الداخلية على عدم تكرار السلوكات التي كانت تمارس في عهد بن علي من أجل عدم اعادة انتاجها في المرحلة الحالية و كذلك لابد للجهاز القضائي أن يدقق أكثر ما يمكن و يجدر بنا أن نذكر أن الجهاز القضائي في ما يتعلق بالقضايا الارهابية قام بالتدقيق في عديد الملفات الى حد الآن.

-كيف يمكن تطوير منظومة حقوق الانسان في تونس، خاصة مع الأوضاع الأمنية الراهنة؟

لابد تتكاتف جميع الجهود سواءا من طرف السلطة ككل أو من طرف المجتمع المدني، لابد في اطار الحرب على الارهاب التأكيد على مسألة العدالة لأن أكبر تهديد للأمن هو احساس الانسان بالظلم، اذا قمت بانتاج مجموعة من الناس تعاني الظلم و القهر حينها يصبح متاحا صناعة ردات فعل عنيفة و القاء الانسان نفسه للتطرف و هذا خطير في حد ذاته، لابد من تحقيق العدالة، الابتعاد عن الظلم، الابتعاد عن انتهاكات حقوق الانسان، عدم مس الناس خاصة في مسائل الحرية و الكرامة، بالنسبة للدولة لابد التشريعات التونسية تتم مطابقتها مع الدستور و مع الاتفاقيات الدولية من أجل اعتماد منظومة تشريعية جديدة بعقلية جديدة تضمن الحقوق و الحريات و تضمن النجاعة و الفاعلية، منظومة قانونية تقطع مع الترسانة القانونية القمعية التي تم اعتمادها في عهدي بن علي و بورقيبة، لابد من ادخال اصلاحات على جميع هياكل الدولة خاصة الجهاز الأمني و الجهاز القضائي من أجل ضمان استقلالية فعلية للجهاز القضائي و كذلك توفير حماية للقضاة أثناء الاضطلاع بمهامهم، لابد من تطوير قدرات الجهاز الأمني و توفير المعدات الضرورية حتى يؤدون مهامهم دون التعرض لاعتداءات و الحد من المخاطر اللي تهدد حياتهم، لابد كذلك من تحقيق التوازن بين الجهات و تحقيق التنمية في المناطق على حد متساوي.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: