في الذكرى الثانية للمحاولة الانقلابية.. تركيا جديدة

تونس – السفير – ظافر بالطيبي

 

تمر اليوم الذكرى الثانية للمحاولة الانقلابية الدموية الفاشلة في تركيا (15 يوليو/ جويلية 2018)، وقد خطى الأتراك مزيدا من الخطى الثابتة والراسخة نحو تأسيس نظام ديمقراطي حقيقي ودولة حرة مستقلة وقوية ومتقدمة في عديد المجالات بعد أن حققت نجاحات وإنجازات اقتصادية لافتة على مدى العقدين الماضيين. ولعل النظام التركي استفاد كثيرا من هذه المحاولة الفاشلة التي كشفت الأعداء الحقيقيين الداخليين للدولة والشعب التركي، فكما يقول المثل العربي المشهور “الضربة التي لا تقتلك تقويك”، وهو ما حدث فعلا حيث انكشف الإرهابيون الحقيقيون في الداخل ومدى حقدهم واستخفافهم بالدم ومقامرتهم بما حققته البلاد على مدى عقود من أجل الاستحواذ على السلطة وخدمة بعض القوى الأجنبية التي يسوؤها أن ترى دولة مسلمة متقدمة وفي طريقها نحو تحقيق نهضة حقيقية على كافة المستويات وفي كافة المجالات والقطاعات.

 

راح ضحية هذا الهمج الانقلابي، الذي نفذه عدد محدود من الحاقدين والإرهابيين المندسين في الجيش التركي بغطاء إعلامي وقضائي تحت قبّة “الداعية” المثير للجدل فتح الله كولن الذي تثير نشاطاته عبر العالم العديد من الاستفهامات وليس في تركيا فقط، حو 250 شهيدا أغلبهم من المدنيين الذين لبّوا نداء الرئيس الشرعي رجب طيّب أردوغان وخرجوا للشوارع متصدين بصدورهم العارية وهم عزّل للدبابات والطائرات والأسلحة الثقيلة والقنص. إلى جانب جرح نحو 2000 شخص أغلبهم أيضا من المدنيين إلى جانب عدد من قوات الشرطة والجيش الذين تصدوا للمحاولة البائسة والانتحارية لعدد من الإرهابيين من المنظمة الإرهابية الأخطر في العالم “فيتو” نسبة لمؤسسها الهارب في الولايات المتحدة الأمريكية فتح الله كولن.

وتشير لائحة الوثائق الرسمية المتعلقة بالانقلاب الفاشل إلى مشاركة قرابة ثمانية آلاف عسكري تركي (8000) في التحرك الانقلابي، إلى جانب 35 مقاتلة عسكرية و37 طائرة مروحية، و246 آلية عسكرية. كما تم استخدام أربعة آلاف سلاح خفيف، في المحاولة البائسة التي هدفت إلى “إسقاط النظام الدستوري الديمقراطي على يد عناصر تنظيم غولن الخونة” حسب نص لائحة الاتهام في القضية المفتوحة ضد المتورطين.

ملحمة تاريخيّة للشعب التركي:

لم يكن الجيش التركي الرافض للانقلاب أو قوات الشرطة والمخابرات التي كان لها دور كبير وفعال في القضاء على الإرهاب من جذوره في الوقت المناسب، هو الفاعل الأساسي في إحباط الانقلاب الدموي الحاقد، بل ولأول مرة في التاريخ يقوم مدنيون عزّل لا يملكون إلا أجسامهم الضعيفة ووعيهم الكبير بإحباط انقلاب عسكري والتصدي للدبابات واعتراض طريقها والوقوف في وجه الجنود دون خوف على جسر البوسفور أو في ساحة تقسيم أو مطار اتاتورك. وذلك رغم سقوط عدد كبير منهم سواء في إطلاق النار العشوائي أو بالقنص أو برشاشات الطائرات الحربية المقاتلة أو تحت الدبابات.

فكان للشعب التركي دورها الأساسي والمحوري في التصدي للانقلاب وإرسال رسالة مضمونة الوصول لكافة دول العالم التي كانت تتابع الوضع عن كثب أن تركيا لم تعد هي ذاتها دولة الانقلابات العسكرية وان الشعب التركي يومها أصبح لديه من الوعي والجرأة والقوة ما يجعله يتصدى لكل عدوان يستهدف بلده واستقرارها وامنها واقتصادها وليس فقط رئيسها أو طيف سياسي معيّن بل خرج الأتراك من مختلف الأحزاب والأفكار والخلفيات وحتى من المقيمين غير الاتراك لأنهم يعرفون جيدا أن هذا الانقلاب الغادر والفاشل لا يستهدف أردوغان أو ما يسمونه الإسلام السياسي أو توجها حزبيا بعينه بقدر ماهو يستهدف تركيا التي تأوي الجميع وتحتضن الجميع دون استثناء.

لذلك من حق شهداء ليلة 15 يوليو/جويلية وجرحاها أن تدرس بطولاتهم في كل الأكاديميات العسكرية بل وحتى في كليات العلوم القانونية والسياسية لأنهم أثبتوا للعالم أنهم أكثر وعيا وشجاعة بل و”ديمقراطية” من تلك الدول التي تراقب وتنتظر إلى أين تميل كفة الانقلاب كي تعلن موقفها منه.

الرئيس التركي وكاريزما القائد القوي

صحيح أن الشعب التركي خرج إلى الميادين وتصدى للدبابات والجنود المدججين بالسلاح الخفيف والثقيل وأفشلوا المخطط الداخلي والمخططات الخارجية لضرب تركيا، إلاّ أن شجاعة هذا الشعب الأعزل لم تكن من فراغ في الحقيقة، بل هي ثمرة سنوات وعقود من الإدارة الصادقة والحكيمة للزعيم التركي رجب طيب أردوغان الذي عرف كيف يصنع شعبا مثقفا واعيا وحرا قبل أن يصنع دولة قوية وحرة، فالدولة القوية الحرة لا يصنعها الجبناء ولا الحكام الأقوياء فقط بل يصنعها الحاكم القوي والشعب الحر الواعي وتلك هي قوة تركيا التي عرفت كيف تستغلها في لحظات الانقلاب الصعبة بإيعاز من القائد أردوغان الذي رغم تعرضه لمحاولة الاغتيال في مقر إقامته في مرمريس الذي هوجم من قبل الانقلابيون، لم يختف ولم يفر بل ظهر على شاشات التلفزيون في مكالمة هاتفية مباشرة ودعا الشعب التركي للنزول إلى الشوارع والتصدي لحفنة الانقلابيين الذين يستخدمون أسلحة الدولة لقتل الشعب وإفشال الدولة التي أصبحت في مصّاف الدول الكبرى والمتقدمة.

فكان ظهور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في التلفزيون عن طريق ربط مباشر بهاتف إحدى المذيعات ودعوته الجريئة والشجاعة للشعب التركي بالتحرك ضد الانقلاب ثم نزوله بعد ذلك في مطار أتاتورك بإسطنبول وظهوره للعلن وعقده ندوة صحفية في المطار، من أهم دوافع وحوافز الشعب التركي المعنوية لافتكاك النصر من الغادرين الانقلابيين وكان كذلك مؤشرا قويا للانقلابيين بأن انقلابهم قد فشل ومحاولتهم أسر الرئيس أردوغان أو اغتياله في مقر عطلته في نزل مرمريس قد باءت بالفشل وعليه فإن أهم ورقات نجاح مخططهم قد تم حرقها وهو ما كان له فعلا دور كبير في إفشال الانقلاب الإرهابي والقضاء على دابره من ليلتها.

الانقلابيون المتسترون بالدبن؟

سرعان ما تم كشف الجهة التي وقفت بالتخطيط والتنفيذ للمحاولة الانقلابية الغادرة والتي راح ضحيتها 250 شهيدا وآلاف الجرحى. وقد أكدت التحقيقات والأدلة فيما بعد ،منها محادثات “الواتساب” التي تم حجزها في هواتف الجنود الموقوفين، تورط منظمة فتح الله كولن، الداعية الصوفي التركي المقيم في بنسيلفانيا بالولايات الأمريكية المتحدة، في المحاولة الإرهابية، بعد ان تمكن على امتداد عقود من الزمن من اختراق مؤسسات الدولة عن طريق الاندساس في الجيش والشرطة والقضاء عبر بعث عشرات المؤسسات الإعلامية ونحو ألفين مؤسسة تعليمية.

المدارس المصدر الرئيسي للمجندين:
تضمّ حركة غولن (فيتو) الإرهابيّة نحو 2000 مدرسة في أكثر من 160 دولة، تم إغلاق بعضها لوجود شبهات عديدة حولها. كما أنّ بعض هذه المدارس موجودة في الولايات المتحدة الأمريكيّة كان عدد منها محل تحقيقات لمكتب التحقيقات الفيديرالي (الآف بي آي) يقال أنها تتعلق بشبهات مالية غير سليمةمنذ محاولة الانقلاب الأخيرة جويلية الماضي، أغلقت الدولة التركية مئات المدارس التابعة لغولن وعشرات الجامعات الخاصة. وكانت تقريبا كل هذه المؤسسات قيد التحقيق، ولكن وجود اختراق قوي من أتباع غولن Gülenist في القضاء وأجزاء أخرى من أجهزة الدولة جعل الأبحاث تسير ببطء شديد.تعتمد المنظمة الإرهابية (فيتو) بالأساس في اختراق المجتمع التركي وتجنيد أعضائها على المدارس وتستهدف بالأساس الأطفال وأسرهم وأقاربهم من خلال خداعهم عبر الأخلاق والقيم الدينية التي يتم تدريسها لهم في المدارس.

الآلة الدعائية:
اعتمد أنصار غولن وأتباعه في اختراقهم للدولة على الإعلام بالدرجة الأولى خلال السنوات الفارطة، وكذلك في تبرير مواقف المنظمة والتأثير على الرأي العام. وكانت صحيفة “زمان” أكثر الوسائل الإعلامية التي تعتمدها المنظمة حتى أنها كانت بمثابة الناطق الرسمي باسم غولن وأتباعه. وكان فتح الله غولن يكتب باستمرار في الصحيفة كما كان يروّج أنّ لها عدد كبير من القراء والمتابعين.ولم تكن صحيفة “زمان” الوحيد التي أسستها المنظمة، بل كان هناك العشرات من الصحف والمجلات ومحطات التلفزيون والإذاعة تمّ استخدامها في عمليات التلاعب بالرأي العام والمجتمع التركي. وكانت كلها تقدم نفسها على أنها الأكثر قراءة في الإعلام التركي وتمّ توزيع بعض الصحف مجانا لضمان وصولها لأكثر ما يمكن من الشعب التركي كما قامت المنظمة بإكراه بعض مناصري غولن بالكتابة والمساهمة فيها، وعلى الرغم من أن الأرقام والإحصائيات المقدمة من قبل أتباعه كانت كاذبة ومغلوطة، إلاّ أنّ المنظمة كانت قادرة على فتح الأبواب لنفسها في تركيا والخارج بالترويج أنّ صحيفة الأكثر مبيعا في البلاد. وكان يتم هذه الوسائل الإعلامية في تصفية الحسابات وتجنيد الأتباع وتشويه الخصوم ونشر أفكار المنظمة ومعتقداتها..

تقارير السفير/ تفاصيل المحاولة الانقلابيّة في تركيا: الفاعلون والخفايا والتداعيات (بالصور والفيديو)

تركيا.. و”أعداء” الخارج

كان لفشل المحاولة الانقلابية في تركيا تداعيات هامة على المستوى الخارجي، فقد مثلت مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل منعرجا جديدا لتركيا فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب وكذلك العلاقات الخارجية. حيث تشير العديد من المعطيات إلى تورط بعض البلدان الغربية في دعم أو التستر على المتورطين في المحاولة الإرهابية الفاشلة. ودخلت تركيا في مرحلة جديدة من العلاقات الخارجية مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وعدّلت بوصلتها من جديد في اتجاه روسيا لاسيما فيما يخص الملف السوري ومساعي تركيا لتأمين حدودها وعلاقتها بالمعارضة السورية المسلحة التي تسيطر على جزء مهم من الأراضي السورية. ودخلت البلاد مرحلة جديدة في محاربة الإرهاب المتمثل في منظمة كولن “فيتو” الإرهابية داخليا وخارجيا، وكذلك حزب العمال الكردستاني الانفصالي في سوريا والعراق وأجنحته السياسية والعسكرية الجديدة مثل قوات سوريا الديمقراطية الكردية ووحدات حماية الشعب وغيرها المدعومة أمريكا بحجة التحالف لمحاربة داعش.


ولا شك أن مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل أعادت خلط الأوراق ودفعت بالحكومة التركية إلى مراجعة علاقاتها خاصة مع أمريكا وأوروبا حيث أصبح التدخل في الشؤون التركية الداخلية من قبل بعض الدول الأوروبية على غرار ألمانيا وفرنسا والنمسا وسويسرا والنرويج واليونان أمريكا عملا شبه يومي أظهر مدى “الحقد” تجاه تركيا الجديدة، بسبب ظاهري وهو اتخاذ انقرة إجراءات صارمة لردع إرهابيي الداخل من “الفيتو” وأنصارهم وإيقاف آلاف المتورطين في الانقلاب وإعلان حالة الطوارئ -المنتظر رفعها قريبا بعد انتخابات 24 جوان/ يونيو الأخيرة- إلاّ أن هذه الدول في الحقيقة لا تريد أن ترى دولة مسلمة قوية وصاعدة على تخوم اوروبا حتى بعد أن وقفوا ضد دخولها للاتحاد الأوروبي بشتى الطرق والأساليب.
كما يسوء بعض هذه الدول الغربية الحاقدة وحتى بعض دول الخليج العربية على غرار إحدى الإمارات التي ثبت تورطها في تمويل الجماعات الإرهابية التابعين للغولونيست، تقدم تركيا وقوتها، بسبب التخوف المستمر من استرجاعها لدورها التاريخي وقوتها الحضارية المتمثلة في الخلافة العثمانية والرجوع مجددا للدور القيادي والرائد للأمة الإسلامية.

درع الفرات وغصن الزيتون

وعى الأتراك جيدا أن قطع رأس الأفعى لا يقتصر فقط على القضاء على فلول الإرهابيين في الداخل من الغولونيست بل لابد من اتخاذ خطوات فعلية أكثر جرأة وأكثر فاعلية لحماية الأمن القومي لتركيا لاسيما بعد اكتشاف علاقة وتواطؤ بين منظمة فيتو الإرهابية وحزب العمال الكردستاني الإرهابي الذي يخوض حرب عصابات مع الدولة التركية منذ عقود ساعيا لإقامة دولة شيوعية للأكراد.
فاتخذت القيادة التركية قرارا بالهجوم على معاقل الإرهابيين في الحدود التركية السورية ومحاربة التنظيمات الكردية وتنظيم الدولة وإرسال رسائل مشفرة للقوى التي تقف خلفهما بأن تركيا تعرف قواعد اللعبة جيدا وأن أمنها القومي لا مجال لتهديده أو التلاعب به تحت أي ظرف من الظروف أو مسمى من المسميات. فكانت عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون التي استهدفت وحدات حماية الشعب الكردية وعناصر تنظيم الدولة.

درع الفرات:
نفذت عمليات درع الفرات العسكرية في المنطقة الواقعة بين نهر الفرات إلى الشرق والمنطقة التي يسيطر عليها الإرهابيون حول أعزاز إلى الغرب. وقد حارب الجيش التركي وجماعات المعارضة السورية المتحالفة مع تركيا، منها أساسا الجيش السوري الحر ، ضد قوات الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وضد قوات سوريا الديمقراطية بداية من 24 أغسطس 2016 وإلى 29 مارس 2017، حيث أعلن الجيش التركي رسميا أن عملية “درع الفرات” قد تمت “بنجاح”.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد صرّح في اليوم الأول من العملية إن الهدف منها هو داعش و”الجماعات الكردية السورية الإرهابية التي تهدد بلدنا في شمال سوريا”.

غصن الزيتون:

أعلنت رئاسة الأركان التركية عن انطلاق عملية “غصن الزيتون” في منطقة عفرين بريف حلب الشمالي لتحقيق الأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية لتركيا وضدّ “قسد” قوات سوريا الديمقراطية التي تتكون من غالبية كردية تسعى إلى إقامة دولة لها على الحدود الجنوبية لتركيا. وقد اثمرت العملية عن تطهير عفرين من ارهاب وحدات حماية الشعب الكردية التي تمثل العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية وكان الهدف منها الوصول إلى منبج وضمان عدم تقدم وتطور الإرهاب في المنطقة، حيث تم الاتفاق مع الجانب الأمريكي المتمركز على الأرض السورية والداعم لقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية، وتم تسيير إلى حد الآن العديد من الدوريات المشتركة بين القوات التركية والقوات الأمريكية في منبج. وهو ما يعني أن عملية غصن الزيتون حققت أهدافها ومكنت من تطهير الحدود السورية من إرهابيي حزب العمل وأذرعته العسكرية ضمن “قسد” وتأمين عودة الآلاف من المهاجرين السوريين إلى ديارهم .

الانتصارات السياسيّة: الاستفتاء والانتخابات

هذه الانتصارات العسكرية ضدّ الإرهابين على الميدان سواء داخل تركيا أو على الحدود الجنوبية مع سوريا تم تتويجها بانتصارات أخرى سياسية فتحت مرحلة جديدة لتركيا لبناء دولة أخرى أكثر قوة وتماسكا في المنطقة. فبعد الإجراءات المقيدة وإعلان حالة الطوارئ بسبب المحاولة الانقلابية وتنفيذ الإرهابيين عمليات إرهابية أخرى داخل تركيا لضرب وحدة واستقرار الدولة والتأثير على علاقاتها الخارجية وخاصة مع روسيا على غرار عملية اغتيال السفير الروسي في أنقرة على يد شرطي تابع لـ”فيتو” الإرهابية، كان لتركيا أن تخلق نظاما سياسيا أقوى وأقدر على حماية أمنها القومي والتصدي للمؤامرت التي تحاك ضدها في الداخل والخارج.
فأعلن الرئيس التركي إجراء استفتاء على الدستور لتغيير النظام السياسي القائم في البلاد من نظام سياسي برلماني إلى نظام سياسي أنجع وأجدى بقيادة رئيس واحد يمتلك أكثر صلاحيات لاتخاذ القرارات المناسبة في الإبان يجمع السلطة التنفيذية ويشرف على الحكومة التي يرأسها. حيث ينص التعديل الدستوري الجديد الذي تم التصويت لصالحه بـ “نعم” بنسبة تفوق 51 بالمئة، في مجموع مواده على سلطات وصلاحيات أقوى لرئيس الدولة ونظام رئاسي متميز قادر على الحفاظ على الأمن والاستقرار والتقدم الاقتصادي ومواجهة الأزمات بأكثر صرامة وقوة.

وبعد الموافقة على التعديل الدستوري الأخير انتقلت تركيا رسميا إلى نظام سياسي جديد وهو نظام رئاسي يخول لرئيس الدولة المزيد من الصلاحيات التنفيذية مع الحفاظ على دور البرلمان وضمان التعددية والمماسرة الديمقراطية.
وقد ساند أردوغان في طرحه للنظام الجديد العديد من الأحزاب الأخرى المعارضة، بينما انتقده آخرون على أساس سيؤسس لحكم استبدادي ودكتاتوري في سابقة للحكم على النوايا لا يمكن أن تكون إلا في الدول المتخلفة. والغريب أن الدول الأكثر ادعاء للديمقراطية على غرار أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي منها ألمانيا وفرنسا كانت من المتخوفين من هذا التعديل الدستوري وصل بهم الحد إلى وصف الرئيس أردوغان بالدكتاتور. بل حاولت دول مثل ألمانيا والسويد والنمسا وغيرها عرقلة العمليات الدعائية للتعديل للأتراك المقيمين فيها مما أثار نوعا من الزوبعة الدبلوماسية بين تركيا وهذه الدول التي ناصبت أنقرة العداء عن طريق الحكم على النوايا والأحكام والاستنتاجات المسبقة. بل تعمدت بعض الدول الأوروبية السماح لعناصر مصنفة إرهابية من حزب العمال الكردستاني بالنشاط على أراضيها والتظاهر ضد تركيا ورئيسها أردوغان.

لم تهدأ موجة الانتقادات لأنقرة نسبب التعديل الدستوري ومحاكمات الإرهابيين وأنصارهم من الغولونيست في أنقرة، حتى أعلن أردوغان منذ أسابيع بعد التشاور مع الحركة القومية عن إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في جوان / يونيو الفارط بدل انتظار أواخر السنة الحالية ، وهو ما حدث فعلا ليفوز تحالف الرئيس أردوغان الانتخابي بأكثر من 52 في المئة من الأصوات في انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة شارك فيها نحو عشرة أحزاب و 6 مرشحين رئاسيين. ليصبح أردوغان رئيسا جديدا لتركيا في ظل النظام السياسي الرئاسي الجديد وأعلن قبل يومين تشكيلته الحكومية التي تضم 16 وزيرا فقط. وهو ما من شأنه أن يحل العديد من المشاكل ويزيح العديد من العقبات الإجرائية والقانونية والدستورية التي كانت تبطئ تنفيذ برامج ومخططات الرئيس والحكومة من أجل مجابهة التحديات الاقتصادية والأمنية المتزايدة في المنطقة لاسيما وأن التطورات الإقليمية والعالمية متغيرة وسريعة جدا وتستوجب مزيدا من القوى والنفوذ لمسايرتها.

ولعل كل ذلك ما كان ليكون لولا تلك الخطة الغبية والخطوة الغادرة التي تنفذها منتسبوا التنظيم الإرهابي “فيتو” وحلفائه من القوى الخارجية والدولية، فارتد عليهم مكرهم وعوض أن يطيح بأردوغان وحكمه جعلوه أكثر قوة وزادوا من شعبيته وحجم التعاطف الشعبي معه ليس في تركيا فقط بل وفي سائر الدول العربية والإسلامية باعتبار دفاعه المتواصل عن المقدسات الإسلامية كالقدس والقضايا العادلة كالقضية الفلسطينية وقضية الروهينغيا المسلمون في ميانمار وغيرهم.
الشي الذي يجعلنا اليوم مقتنعين حد اليقين أن تركيا التي سيشهدها العالم بعد الانتخابات الأخيرة ليست هي ذاتها تركيا ما قبل الانتخابات ولا هي تركيا ما قبل المحاولة الانقلابية الفاشلة. والفضل في ذلك يعود للشعب التركي الذي استطاع أن يوقف زحف الانقلابات العسكرية على بلاده ضد الحكومات الشرعية الذي تواصل على مدى العقود الماضية، ويفتح بابا جديدا لتركيا نحو بناء دولة أكثر قوة وفاعلية في الداخل والخارج.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: