رأي: ما الذي يحدث في تونس الآن؟

تونس – السفير

بقلم: عبد الحكيم قعلول

نستطيع أن نقول إن ما يحدث في تونس، منذ الحراك الشعبي الواسع في 17ديسمبر الى 14جانفي ضد حكم الرئيس المخلوع، يشكل بمثابة ثورة معاركها الأصلية ضد سلطوية الدولة القديمة التي استاثرت بالاقتصادي والاجتماعي وحتى الثقافي . ولكن بعد سبعة سنوات ونصف من التشويش والإرباك المتعمد، الذي أحدثه المسار السياسي الكارثي بهندسة المؤسسة المالية و الامنية و انصار التجمع والمتمعشون الجدد والثوريون الانتهازيون . جاء ذلككله بهدف إجهاض الثورة وما تحمله من وعد بتحولات جذرية في بنية السياسة التونسية. ثورة 14 جانفي منذ بدايتها كانت ضد الاستبداد، والسلطوية الامنية، والقهر البوليسي والتهميش والفقر والبطالة، وانتهاك حقوق الإنسان. وكانت ضد اقتصاد سياسي لا تنموي قائم على رأسمالية المحاسيب، وسوء توزيع الدخل، والفساد، والظلم الاجتماعي.

إن الهدف من الثورة المنتظر كان وما زال، تفكيك الدولة القديمة القائمة على استبعاد غالبية المواطنين من عملية صناعة القرار. ويأتي هذا الاستبعاد لصالح هيمنة الأجهزة الأمنية والعسكرية والنخب البيروقراطية والمليشيات الاقتصادية والانتهازيون والمتمعشين الجدد. ان أهداف الثورة التي امن بها التونسيون هي من أجل بناء دولة ديمقراطية جديدة. تستوعب هذه الدولة جمهور المواطنين كفاعلين أصليين داخل عملية صنع القرار والسياسات العامة، وما يستلزمه هذا من إعادة بناء مؤسسات الدولة. وكذلك تغيير شكل ومضمون علاقات الدولة بالمجتمع والمواطنين. وإعادة تأسيس لمفهوم حكم القانون، إضافة إلى توسيع وتجذير المجال العام والمجتمع المدني والحريات العامة والخاصة، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمساواة والتعددية الاجتماعية والسياسية. بالإضافة إلى إدماج الأقليات الاقتصادية والهوامش داخل الدولة والمجال العام.

وبذلك ستكون هذه الدولة الجديدة بشرعيتها الديمقراطية التشاركية أكثر قدرة على بلورة سياسات عامة تخدم مصالح أوسع قطاعات ممكنة من المواطنين. كما ستتمكن هذه الدولة الجديدة من تحقيق الإنجازات المتعلقة برفع مستوى المعيشة وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسعي نحو العدالة الاجتماعية وتحسين شروط الحياة لكل المواطنين. الأمر الذي فشلت الدولة القديمة في تحقيقه بصورة واضحة.

إن الخصم هنا واضح: إنه أجهزة الدولة القديمة الامنية والمدنية والمتمعشون الجدد والانتهازيون القدم الجدد. أضف إلى ذلك، كل ما ارتبط بهذه الأجهزة من شبكات مصالح ونفوذ داخلها وخارجها. أما الفاعل الثوري من الجهة الثانية فهو واضح: فهو يضم طيفاً واسعاً من الحركات الاجتماعية الاحتجاجية والثورية من خريجي الجامعة التونسية وقطاعاً ضخماً من القوى الشعبية غير الممثلة داخل الدولة القديمة. تلك الجهات الطامحة إلى تغيير السياسة من الجذور، بغية تحسين أحوالها ونيل حقوقها والعيش حياة كريمة .

أين هي النخبة الحاكمة الان من هذا الصراع؟
إن االحكام الجدد والقدماء هنا دخلاء على هذا الصراع، فالقضايا المطروحة أعلاه ليست قضاياهم أو معاركهم. إن طبيعة تكوين وفكر وانحيازاتهم، السياسية والاقتصادية والثقافية، تجعلهم رافضين تماماً لأي شكل من أشكال التجذير السياسي الثوري. بل إن هدفهم هو وراثة الدولة القديمة كما هي. لكنهم يريدون مع هذه ”الوراثة“ إحتلال موقع القيادة والسيطرة، الذي يرونه ضرورياً من أجل تحقيق مشاريعهم الشخصية الضيقة.

شارك هؤلاء جميعا، منذ اللحظة الأولى، سوياً مع المؤسسة الامنية – وبدعم أمريكي واضح- من أجل بناء ديمقراطية إجرائية محافظة تكفر كفرا مطلقا بماهو ثوري. ثم تتحول مع مرور الوقت إلى سلطوية انتخابية تقوم على مجال سياسي جديد مفتوح ولكن ضيق. مجال قائم بالأساس على الانتخابات كمفهوم وحيد للممارسة السياسية ويعطي شرعية للنظام الجديد/القديم. كما يرتكز هذا المجال على وضع سقف دستوري وسياسي يحد بصورة فعلية من قدرة القوى الحزبية على تغيير السياسات العامة عبر الصندوق. إضافة إلى عدم وجود أي ضمانات حقيقية لحقوق الإنسان، كما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. أضف إلى كل ذلك التضييق الدستوري والسياسي والقانوني على كل حركات الاحتجاج النقابية والعمالية والحقوقية والاجتماعية. هذه الحركات التي من المفترض أن تؤذن بتغييرات أكثر جذرية في بنية السياسة والاقتصاد في تونس. بل و على المدى المتوسط والأطول يمكن أن تعمد القوى المهيمنة على الدولة وحلفائها في المجال الإنتخابي إلى إستخدام أدوات هيمنتها للتأثير على مجريات العملية الإنتخابية ونتائجها وقد ظهرت بوادر هذا في الإنتهاكات التي شابت عملية التصويت في الانتخابات الاخيرة تلاقت هنا مصالح الأطراف الثلاث: الدولة القديمة بمؤسساتها المدنية والامنية، وجماعة الجدد الاصلاحيين الانتهازين ، والقوي العالمية وفي مقدمتها الإدارة الأمريكية.

من جهة، لتضمن مؤسسات الدولة القديمة، وفي قلبها المؤسسة الامنية، عدم الاقتراب من دورها المتحكم ومصالحها التي ترسخت عبر عقود طويلة من حكم الدولة القديمة السلطوية المستعلية على المواطنين ويقوم على فرض تصور الجماعة الهوياتي والشمولي الطابع بقوة الدولة على المجتمع. ذلك التصور المؤدلج حول السياسة والقانون والثقافة والمجتمع والأخلاق. مما يؤدي إلى طمس التعددية والإختلاف. ومن ثم فهي تحتكر تمثيل الشرعية الشعبية بالإضافة إلى قدراتها التنظيمية والتعبوية التي تكفل لها التحكم في الشارع التونسي وضبطه. ولذلك فإن هذه الحركات هي الضمان الأفضل للاستقرار السياسي وحماية المصالح الغربية و الأمريكية خاصة. وبناء على كل ما تقدم، ترى الولايات المتحدة أنه يجب تشجيع بروز الديمقراطيات الإجرائية الأليفة في دول الربيع العربي وبقيادة حركات غير ثورية. وذلك لأن هذه الحركات ستحترم معادلات الحكم والمصالح القائمة أمنياً واقتصادياً وإستراتيجياً على المستويات المحلية..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: