دراسات السفير: التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر -1- (بقلم ظافر بالطيبي)

لأنّ الفكر الإسلامي اليوم بات مهددا من قبل الكثير من الرويبضات من أهل الجهل والتفيقه من جهة وأهل الغلوّ والتنطع من جهة، بات على المسلمين اليوم دراسة فكرهم الديني ومميزات دينهم الذي أنزل للناس كافة. فكان لابد من دراسات تهتم بخصائص الدين وتظهر ماهو قابل منه للاجتهاد والتطور وماهو أصل جوهري ثابت لا شك ولا جدال فيه. وهنا كانت الحاجة لدراسة وإن كانت غير عميقة وبسيطة للإسلام والفكر الإسلامي الحديث لعلها تفيد بعض شباب الأمة الذين باتت تعصف بهم رياج الجهل والتطرف والتضليل في أغلب بلاد المسلمين لمّا ألحدوا عن دراسة دينهم وفهمه والبحث فيه وأخذ الماء من معينه..

بقلم: ظافر محمد بالطيبي (إعلامي وكاتب وباحث تونسي)

معنى التجديد وخصائص الشريعة

التجديد في اللغة والاصطلاح
المعنى اللغوي:
يعتبر مصطلح التجديد مصطلحا معجميّا ثريّا، متعدد الأوجه والمعاني، وهو مصدر من جددّ يُجدّد تجديد على وزن تفعيل ففي لسان العرب “الجدّة نقيض البلى، يقال شيء جديد..وجدّ الثوب والشيء يجدّ أي صار جديدا وهو نقيض الخلًق..وتجدد الشيء أي صار جديدا وأجدّه وجدّده واستجدّه أي صيّره جديدا.. والتجديد خلاف القديم وقطع معه” . والتجديد فيه معنى الطلب والاستدعاء فتاء التجديد (تفعيل) للطلب، فيكون من معاني التجديد “طلب جدّته بالسعي والتوسّل إلى ما يجعله جديدا” كما في اللسان، وهو كما سلف نقيض الخَلق والبلى وضدّ القديم بمعنييه زمانا وبقاء وهو التقادم فيُقال بَلي بيت فلان وأجدّ بيتا من شعر ويُقال لليل والنهار الجديدان لأنهما لا يبليان أبدا..” كما للتجديد أيضا معنى الاجتهاد. ومن معانيه أيضا في أصل اللغة التعظيم والإجلال ومنه قوله تعالى: “وأنّه تعالى جدّ رَبّنا” أي عظمته وجلاله تعالى، وقوله صلّى الله عليه وسلّم في الدعاء: “ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ” بمعنى العظمة والسلطان..ومن معانيه كذلك الوسطيّة، تقول العرب جادّة الطريق أي سواء الطريق ووسطه. ومن هنا نفهم أنّ التجديد لا يعني بحال الإتيان بشيء منقطع عمّا كان عليه الأمر أوّلا بل أنّ أصله كان موجودا وقائما وللناس به عهد وأنّ هذا الشيء أتت عليه الأيام وتداولت فأصابه البلى وصار قديما خلقا ثمّ جُدّد فعاد إلى مثل حالته الأولى الأصليّة فهو إذا عود على بدء بمعنى وجود شيء على حالة ما ثمّ طرأ عليه تغيير أبلاه وغيّر من ملامحه وصورته الأولى، فإذا أعيد إلى مثل حالته وطبيعته الأولى الصحيحة كان ذلك تجديدا. و”تجديد الشيء هو إرجاعه الى الجدّة أي الحالة الأولى التي كان الشيء عليها في استقامته وقوّة أمره وذلك أن الشيء يوصف بالجديد إذا كان متماسكة أجزاؤه واضحة رؤاه مترقرقا ماؤه ويقابل الجديد الرثيث.. والرثاثة انحلال أجزاء الشيء وإشرافه على الاضمحلال” ، وهو أيضا “إرجاع الشيء جديدا أي إزالة رثاثته وتخلّقه” ومن هنا نفهم أنّ التجديد هو قطع مع ظاهرة سائدة بليت ولم تعد قادرة على المواكبة والفعل على الوجه الأكمل، والعودة بها إلى أصلها الاوّل الذي انبنت عليه وهو معنى تتداخل فيه عدّة معان أخرى مثل القطع والتغيّر والتحوّل من حال إلى حال.
ولعلّ ما سبق من معان للمفهوم تُظهر أنّ للتجديد عدّة أوجه تحتمل أكثر من قراءة وتأويل وتشمل جميع المجالات الحياتيّة، الفكريّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسلوكية والسياسيّة والاقتصاديّة وغيرها ما جعل منه ذا أهميّة دفعت كثيرا من أهل العلم والفكر إلى تناوله بالشرح والنظر والتحديد لتمييزه عن غيره من المفاهيم ذات المعاني المتداخلة والمتشابهة سواء كان ذلك شبهة أو على وجه الحقيقة، ولعل ذلك ما جعل من هذا المفهوم الفكري لا يغادر معجما من معاجم اللغة والاصطلاح إلا نادرا وذلك كاف للتدليل على ما يحظى به من قيمة لغويّة وفكريّة أثرت المدوّنة الثقافيّة واللغوية العربيّة على مدى قرون ومازالت.
المعنى الاصطلاحي:
إضافة إلى المعنى اللغوي نجد التجديد كما ورد في دائرة المعارف الإسلاميّة “هو مصطلح إسلامي ذو أبعاد دينيّة واجتماعيّة وسياسيّة وهو قديم وحديث في ذات الوقت كان قد أشار إليه حديث مأثور عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أورده أبو داود في سننه وفيه يخبر النبيّ بأنّ الله تعالى يبعث إلى هذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدد لها دينها..” وهو معنى دينّي للتجديد يحصره في معجم وزاوية نظر فقهيين لا يتّوسعان به إلى دائرة فكريّة أشمل. إلاّ أنّ ذلك لا يعني عدم وجود تعريفات للمصطلح خارج المنظومة الدينيّة، ففي حدّ ثان أوسع نجده بمعنى “الإتيان بما ليس شائعا أو مألوفا وهو على نوعين:
أ ـ ابتكار موضوعات أو أساليب تفكير أو تغيير تخرج عن النمط المعروف والمتفق عليه جماعيا.
ب ـ إعادة النظر في الموضوعات والأساليب الرائجة وإدخال تعديل عليها بحيث تبدو للعيان مبتكرة (والتجديد الذي لا يقوم على أساس من الأصالة لن يبلغ الأوج ولن يكتب له الدوام وإنّما يستحيل قريبا إلى الجمود)” .
وإن كان هذا التعريف عامّا إلا أنّه لا يخرج بالمفهوم عن أصله الفكري الذي هو منطلق كل تناول واستعمال لمعناه وهو يتقاطع مع المفهوم الديني للمصطلح من حيث تعديل الشيء والخروج به عن النمطيّة الرائجة وقيامه على أساس من الأصالة تحفظ له الجذور التي نشأ عليها وتضفي عليه ضربا من الحركيّة والحيويّة والتغيير.
كما نجد للتجديد عدّة محاولات أخرى لحدّه والتعريف به خارج المنظومة الإسلاميّة حيث تناوله أصحابه من جهة معناه الفكري والإنساني عامّة، منها ما ورد في مجلّة الفكر بعنوان “التجدد والتجديد” وفيها: “يراد من التجديد جهدا إنسانيّا أي جهدا يستهدف التصرف بوضع من أوضاع الإنسان الفكريّة أو الوجدانيّة أو الماديّة… لاستدراك ما فقد من قدرة على آداء دوره الفعّال في دفع عجلة التطوّر بلا تتعتع أو الاستعاضة عنه بما هو أجدى على الجهود البشريّة في الاستزادة من خبايا الكون ” وهو كذلك في حدّ آخر “كلّ حركة بنّاءة تروم إيجاد توازن محكم بين قوّة الذات البشريّة وما يصدر عنها من معطيّات حكميّة أو علميّة أو فنيّة وبين متطلبات الحياة المعيشيّة في عالم الروح ومناخ العقل ونافورة الوجدان ودنيا المادة..” .
كما جعل بعض المفكرين للتجديد معنى نفسيّا فكريّا يرتبط كلّ الارتباط بالعقل وما يُفرزه من نشاطات معيّنة تبتغي تعديل وضع من الأوضاع تماشيا مع نسق الحياة الزمني والمكاني المتطوّر باطّراد بين الفينة والأخرى وذلك بكيفيّة غاية في المرونة والتسامح الفكري والفعلي للجمع بين متطلّبات فكر وعصر جديدين وموروث بات يتقادم وتتآكل أسسه في أجزاء منه متعددة.. بما يُشبه ضربا من فلسفة الجمع والثورة والتغيير تنتج صنوفا من الأفكار والمبادئ الإنسانيّة غضّة وقادرة على التشكل من جديد بما يُلائم وضعا جديدا من الأوضاع والحالات الإنسانيّة المتغيّرة والمتداولة بعيدة كلّ البعد عن سلطة العين الواحدة والرؤية الواحدة، ولعلّ هذا الضرب من التفكير المتجدد أنسب بتسميته فلسفة التجديد.. تجديد كلّ متعلّقات الفكر وحوّافها الزمانيّة والمكانيّة.
ونذكر من بين المفكرين المؤمنين والمؤسسين لمثل هذه الرؤية الفلسفيّة الواقعيّة لمفهوم التجديد، صاحب فيض الخاطر أحمد أمين الذي جعل للتجديد مفهوما نفسيّا بما أنّ منطلقه هو عقل إنسانيّ صرف بالأساس، حيث يقول معرّفا التجديد: “التجديد معناه مرونة العقل لإحلال الأوضاع الجديدة محلّ الأوضاع القديمة أو تعديل القديم ليتفق والجديد” ، وبذلك يكون أمين في هذا الحدّ قد جعل للتجديد وجهين “إمّا القضاء على القديم بالوسائل الثوريّة وإمّا أخذ طرف من القديم وطرف من الجديد ومزجهما مزجا مناسبا بوسيلة سلميّة هادئة” . ولعلّ الشكل الأوّل لمفهوم التجديد هو أقرب إلى الفلسفة الغربيّة من الفلسفة العربيّة الإسلاميّة، حيث وصل حدّ القطع النهائي والطلاق الأبدي مع القديم أي الأسس والبدايات الأولى التي قامت عليها الفكرة، وهو مذهب روسو حينما اعتبر التجديد إنّما هو “الأخذ بالمبادئ الإنسانيّة والمبادئ العقليّة والتسامح الفلسفي وإحلال ذلك محلّ الأوضاع القديمة وتقديس السلطات والتعصّب ضيّق النظر..” . ولا يخفى هنا أنّ هذا التعريف إن هو إلاّ من إفرازات القرن الثامن عشر وفلسفة الأنوار التي قامت على أساس الكفر بالماضي وكلّ أشكال الضوابط والقيود بما فيها الدينيّة.. بما يجعل الشكل الأوّل لتبلور هذا الفعل الفكري أقرب إلى الرؤية الفكريّة الإسلاميّة التي لا تقطع مع الماضي تمام القطع إنّما هي تواصل متجدد على أسس قديمة راسخة رفع قواعدها وحي إلهي فصل وكلم نبويّ جمع فتشكلت وقامت بناء فكريّا وأخلاقيّا إنسانيّا متماسكة جدرانه إلاّ أنّه يحتاج ترميما وتجديدا بين زمن وآخر يُذهب عنه غبار الزمان وأباطيل اللسان.. فكانت التعريفات الفقهيّة للتجديد تطوف حول هذه المعاني مع بعض الدقائق والتخصيص. وهنا يمكن القول إنّ التجديد اصطلاحا، كما ظهر سابقا في معناه اللغوي، لا يقطع تمام القطع مع القديم إنمّا هو امتداد له زمنا وفكرا “ذلك أنّ الدعوة الحقّة حين تدعو إلى التجديد لا تفصله عن القديم ولا تفصله عن الماضي بل تجعل من الماضي سبيلا إلى الجديد ومن التطوّر رابطة بين القديم والحديث.” .. ونفهم من خلال استقراء عدّة تعريفات لمفهوم التجديد علميّا وفكريّا وفقهيّا، أنّ التجديد في الآداب كمثله في العلوم ونظيره في الفقه، إنّما يقوم على أساس تعاون وتضافر بين الماضي والحاضر، القديم والراهن “والتجديد هو إبداع الحيّ في آثار الميّت ولا شكّ أنّ التجديد قانون طبيعيّ وقانون ثابت، فإن لم يكن تجديد فتدهور وانحطاط، وشأنه في الفكر شأنه في الكائنات الحيّة بيد أنّ له أصوله ومقوّماته وقواعده التي تقرر بأنّه لا ينفصل عن أرضيته وقاعدته ولا ينقطع عن تطوّره الطبيعي..”
والملاحظ جمعا في هذه التعريفات الفكريّة الفلسفيّة لمفهوم التجديد أنها غير بعيدة عن المعاني التي تناولها الفقهاء والعلماء والمفسرون عامّة في شرح معنى التجديد وربطه بأصله في الموروث الثقافي الإسلامي، فهي تعريفات تنبني على أصل واحد، وهو الفكر إذ لا يمكن أن نتحدث عن التجديد بمعزل عن الفكر، ولكن ليس على اعتبار الشكل النمطي للفكر الديني السائد والمفروض على أهله فرضا دونما إعمال للعقل وتمحيص وتثبت بعيدا عن قانون المسلمات والأمر الواقع.
والتجديد عند العلماء هو ضرورة دينيّة بل هو من أوّل وأبجل أسباب حفظ الدين وحمايته وتمكّنه من نفوس أصحابه إلى جانب عنصر التأييد والنُصرة كما عند الشيخ ابن عاشور الذي جعل للتجديد في هذا المنحى حدّا عامّا هو إخلاف ما يضمحلّ من عناصر القوّة بالتغذية إذ يقول “فلا جرم قدر الله للإسلام التأييد والتجديد اللذين لا يكون الدوام في الموجودات إلاّ بهما فكما جعل في كلّ حيّ وسائل الدفاع عن كيانه وهو ضرب من التأييد، وجعل له وسائل لإخلاف ما يضمحلّ من قوّته بالتغذية ونحوها وهو التجديد كذلك جعل للإسلام حين أراد حياته” . وفي هذا المعنى من اللطافة والطرافة ما يميّزه عن كثير من المعاني والتعريفات حيث شبّه ابن عاشور الدين بالكائن الحيّ بل هو كلّ الحياة تتجدّد في أحيائها جيلا بعد جيل وكأنّ التجديد الديني عنده أضحى ضربا من المخاض والولادة يؤسس للدين أجياله التي تضمن له البقاء والتواصل.
ومن المعاني الشرعيّة للتجديد كما وردت في كتب الحديث وأصول الفقه “احياء ما انطمس واندرس من معالم السنن ونشرها بين الناس وحملهم على العمل بها” ، وذلك بإحياء السنن وكشف البدع والمحدثات وفضح أهلها ورفع الجهل عن النّاس عقيدة وفقها علما وعملا ، والذود عن الإسلام من كلّ ما يمكن أن يشوبه من زيف وباطل وتهم زور وجهل وتنقيته مما علق به من أوضار الجاهليّة وارثها و العودة به إلى الطبيعة الأولى كما كان زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه والخلفاء الراشدين من بعده.
يقول الآبادي في كتابه عون المعبود “التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنّة والأمر بمقتضاهما وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات..” . ويذكر السيّوطي في جامعه الصغير أن “المراد بتجديد الدين تجديد هدايته وبيان حقيقته وأحقيته ونفي ما يعرض لأهله من البدع أو الغلو ّفيه، أو الفتور في إقامته ومراعاة مصالح الخلق وسنن الاجتماع والعمران في شريعته” .
ولا يبتعد ابن عاشور عن هذه الدائرة الدلاليّة في حدّ التجديد شرعا فهو عنده كما بيّن في تحقيقاته “مجاز في إيضاح حقيقة الدين وتجريده عمّا يلصق به من اعتقاد أو عمل أو سيرة ليس شيء من ذلك في شيء من الدين في حال أنّ الناس يتوهّمون شيئا من ذلك دينا”
ولا يكون التجديد بذلك قطعا مع القديم والاستعاضة منه بشيء آخر مستحدث ومبتكر، بل هو بناء عليه لا يقوم إلاّ على أسسه وأصوله الأولى زمن النبيّ وأصحابه وتحديدا زمن الخيريّة الذي تشكّله القرون الثلاثة الأولى عموما وفترة النبوّة والخلافة الراشدة خصوصا. كما يدّل معنى التجديد الشرعي كذلك على تنزيل الأحكام والحدود على المستجدّات من الوقائع والأحداث وذلك لا يعني المسّ من جوهر الشرائع والأحكام بالتبديل والتغيير وتجاوز النصوص أو إلغائها وادّعاء عدم صلاحيتها ومواكبتها للعصر فذلك ليس من التجديد في شيء إنما يدخل في إطار الإلحاد عن الصواب وواجب حفظ الدين وحمايته من المذهبيّة والتعصّب الأعمى وإغراض أصحاب الأهواء وأهل المداهنة ومضمري الحقد والضغينة للإسلام وأهله.
غير أنّ ذلك لا يعني أيضا عدم وجود ثنائيّة في الدين طرفيها متكاملين لا تناقض بينهما، هي ثنائيّة الثابت والمتحوّل – سنأتي عليها لاحقا بأكثر تفصيل – وهو ما يعني اتّصاف الفكر الإسلامي بالمرونة وقابليته للتطوّر والتغيّر ومواكبة المستجدّات، ولكن فقط في جزئه المتحوّل دون الثابت الذي يعدّ المسّ منه عند الفقهاء والأصوليين خروجا كليّا عن الدين وجوهره. ولعلّ ذلك يفتح أمامنا باب إشكال آخر يتعلّق بحدود هذا الثابت ومدى الإجماع الحاصل حولها عند أهل العلم على اختلاف أصنافهم ومذاهبهم.
إلاّ أنه في العصر الحديث وقع خلط كبير في تحديد مفهوم التجديد فابتعد به كثير من المفكرين عن أصله اللغوي والاصطلاحي والشرعي ممّا أدّى إلى إطلاقه إطلاقا جريئا دفع به إلى الانحراف واتكأ عليه الفكر الاستعماري لقطع صلة العالم العربي بموروثه الثقافي والحضاري “في محاولة لإلقاء الكراهية والازدراء للتاريخ واللغة والتراث واتهام هذه القيم جميعا بالتخلّف فكان معنى التجديد في نظر دعاته الانفصال الكامل عن كلّ قديم والاتجاه الشامل إلى كلّ جديد دون تحفّظ أو اختبار” . فقطع مفهوم التجديد عند زمرة من المُحدثين عن الماضي والتراث وذلك في تأثر واضح بالفكر الغربي لذلك كانت نظرة هؤلاء إلى الوراء والماضي نظرة يُخالطها كثير من الشعور بالاستغناء “أو محاولة التمرد على القديم وذلك تماشيا مع التاريخ الذي واجهت به أوروبا ماضيها اللاهوتي وتراثها المتصل بالدين والزهادة والرهبانيّة الذي هاجمته مختلف النظريات الحديثة وحملت عليه الفلسفات حملة عنيفة” . إلاّ أنّ الفكر الإسلامي المعاصر ظلّ محافظا على عنصر القديم في تحديده لمفهوم التجديد بل هو جزء منه لا ينفصل عنه مهما تقدم به العمر والزمن.
ولعلّ ذلك أيضا ما نوّه إليه محمّد إقبال في كتابه عن تجديد التفكير الديني في الإسلام عند حديثه عن القياس في التشريع والاختلاف الحاصل فيه بين المذاهب والفرق السنيّة وجدليّة النزعة التقليديّة والاجتهاديّة بينهما.. في قوله: “ولعلّ هذا العرض الموجز بيّن لكم أنّه ليس في أصول تشريعنا ولا في بناء مذاهبنا كما نجدها اليوم ما يُسوّغ النزعة الحاضرة وأنّ العالم الإسلامي وهو مزوّد بتفكير عميق نفّاذ وتجارب جديدة ينبغي عليه أن يقدم في شجاعة على إتمام التجديد الذي ينتظره على أنّ لهذا التجديد ناحية أعظم شأنا من مجرّد الملاءمة مع أوضاع الحياة العصريّة وأحوالها..” ، يعني بذلك أنّ هذا التجديد باعتباره مطلبا عصريّا قائم الذات والعناصر لا ينبغي له أن يكون خارج الإطار الديني كما فعلت ذلك أوروبا في نهضتها الحديثة فكان أن أدّى بها الأمر إلى نوع من الانحلال الأخلاقي والاجتماعي.. يقول إقبال في هذا المعنى “إن الإنسانية تحتاج اليوم إلى ثلاثة أمور: تأويل الكون تأويلا روحيّا وتحرير روح الفرد ووضع مبادئ أساسيّة ذات أهميّة عالميّة توّجه وتطوّر المجتمع الإنساني على أساس روحيّ ولا شكّ أنّ أوروبا في العصر الحديث قد أقامت نظما مثاليّة على هذه الأسس ولكنّ التجربة بيّنت أنّ الحقيقة التي يكشفها العقل المحض لا قدرة لها على إشعال جذوة الإيمان القوّي الصادق ، تلك الجذوة التي يستطيع الدين وحده أن يُشعلها.. وأنّ أوروبا اليوم هي أكبر عائق في سبيل الرقيّ الأخلاقي للإنسان أمّا المسلم فله هذه الآراء النهائيّة القائمة على أساس من تنزيل يتحدث إلى الناس من أعماق الحياة والوجود..”
وإذا يُمكن تلخيص المفهوم الشرعي للتجديد حسبما حدده الفقهاء والأصوليّون في كونه:
– إحياء ما انطمس واندرس من السنن والأمر بمقتضاها.
– الذّب عن الإسلام بتنقيته من البدع والمحدثات والتصدي لأهلها.
– تنزيل الأحكام الشرعيّة على واقع المسلمين بمتغيّراته فقها ومعاملات.
وذلك يستوجب دوريّة هذا الفعل التجديدي بين الحين والآخر مواءمة للتطور الزمني المطّرد الحاصل في شتّى مجالات الحياة وهو ما حدّده الإسلام وأشار إليه في حديث التجديد المشهور والمأثور عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الذي أخرجه عدد من المحدثين في مصنّفاتهم مثل أبي داود والحاكم والطبري وغيرهم…
2) حديث التجديد ومعناه
– سند الحديث وصحّته
وردت في القرآن والسنّة النبويّة نصوص عديدة احتوت إشارات إلى أنّه سبحانه تعهّد بحفظ دينه وحمايته من تحريف المبطلين وتزييف أصحاب الزيغ والأهواء الذين لا يخلو منهم عصر ولا مكان، ليبقى بذلك خالدا طاهرا وظاهرا إلى يوم الدين. وذلك لا يُمكن أن يتمّ بعد ختم الرسالة النبويّة العّامة إلاّ عن طريق علماء عدول ربّانيين هم ورثة الأنبياء يُسخرهم الله سبحانه لحفظ دينه وإعلاء رايته كلّما عصفت به رياح الفتن والتحريف فيُحيوا سننه ويُجددّوا ما خبا من معالمه ولا أدلّ على ذلك من حديث التجديد.
ولم يرد لفظ التجديد بمعنى تجديد الدين، إلاّ في حديث واحد عن أبي هريرة أخرجه عدد من أئمّة الحديث في مصنّفاتهم منهم أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه والبيهقي في معرفة السنن والآثار والطبراني في الأوسط والخطيب البغدادي في تاريخه.. وتُعدّ روايتا أبي داود والحاكم من أشهر روايات حديث التجديد، ففي كتاب الملاحم من سنن أبي داود من باب ” ما يُذكر في قرن المائة” :” حدّثنا سليمان ابن داود المهري أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيّوب عن شراحيل بن يزيد المعافري عن أبي علقمة، عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: إنّ الله يبعث إلى هذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يُجدد لها دينها”. قال أبو داود رواه عبد الرحمان بن شريح الإسكندراني ولم يُجز به شراحيل.
وفي رواية الحاكم: “حدّثنا ابو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الربيع بن سليمان بن كامل المرادي ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيّوب عن شراحيل بن يزيد عن أبي علقمة عن أبي هريرة رضي الله عنه ولا أعلمه إلاّ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: “إنّ الله يبعث إلى هذه الأمّة على رأس كلّ مائة سنة من يُجدد لها دينها”. وتعتبر رواية أبي داود أقصر بحلقة في سلسلة السند التي تلتقي في الروايتين عند عبد الله بن وهب، فكانت رواية الحاكم من طريق أبي العبّاس محمد بن يعقوب والربيع بن سليمان بن كامل المرادي أمّا رواية أبي داود فهي من طريق سليمان بن داود المهري مباشرة عن عبد الله بن وهب. وهو ما يجعل من رواية أبي داود أقوى من حيث السند إذ كلّما كانت سلسلة الروّاة أقصر كان الحديث أقوى وأمتن، يقول صاحب البيقونيّة :
وكلّ ما قلّت رجاله علا وضدّه ذاك الذي قد نزلا
وبالنظر في سلسلة إسناد أبي داود في حديث التجديد نجد ستّة روّاة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهم سليمان بن داود المهري وعبد الله بن وهب وسعيد بن أبي أيّوب وشراحيل بن يزيد المعافري وأبو علقمة وأبو هريرة رضي الله عنهم، وهم جميعا من الثقات المجازة رواياتهم كما بيّن ذلك أصحاب الحديث وجعلوا لهم صفات ومراتب في التعديل كالآتي:
ـ سليمان بن داود المهري: ثقة أخرج حديثه أبو داود والنسائي
ـ ابن وهب: هو عبد الله بن وهب وهو ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة
ـ سعيد بن أبي أيّوب: ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة
ـ شراحيل بن يزيد المعافري: صدوق أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم في المقدمة وابو داود
ـ أبو علقمة: ثقة أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن
ـ أبو هريرة: عبد الرحمان بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أكثر الصحابة حديثا، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستّة .
ولئن قال أبو داود في تعقيبه على الحديث “رواه عبد الرحمان بن شريح الإسكندراني ولم يجز به شراحيل”، إلاّ أنّ عبد الرحمان من الثقات عند علماء الحديث “أخرج له اصحاب الكتب الستّة” . وقال صاحب العون في تعقيب أبي داود: “أي لم يُجاوز بهذا الحديث على شراحيل فعبد الرحمان قد أعضل هذا الحديث وأسقط أبا علقمة وأبا هريرة” ، والحديث المعضل هو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر بشرط التوالي. وقال المنذري “وعبد الرحمان بن شريح الإسكندراني ثقة اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه وقد عضله (أي الحديث)” . والحاصل أنّ الحديث مرويّ من وجهين وجه متّصل وآخر معضل إلاّ أنّ ثقة صاحب الرواية المعضلة قد أسقطت هذا الإشكال على الأرجح إلى جانب تحقق اتصال السند في الروايات الأخرى ممّا يُخرج صفة الإعضال من دائرة العلّة القادحة، ولعلّ ذلك ما جعل غير واحد من أهل الحديث يصدحون بصحّة حديث التجديد سندا ومتنا. ورغم أنّ الحاكم قد سكت عن الحديث في مستدركه إلاّ انّ السخاوي ذكر الحديث في المقاصد الحسنة وعزاه للحاكم وأبي داود والطبراني في الأوسط وقال “ورجاله كلّهم ثقات وكذا صححه الحاكم” . كما ذكر السيّوطي الحديث في جامعه الصغير “ورمز إلى صحّته، وقال عنه بن حجر وهذا يُشعر بأنّ الحديث كان مشهورا في ذلك العصر ففيه تقوية للسند المذكور مع أنّه قويّ لثقة رجاله” . أمّا إذا قرأنا الحديث على مقاييس علم المصطلح (مصطلح الحديث) فنجده يتنزّل في ثوب الصحيح بغضّ النظر عن الرواية المعضلة التي لا تمسّ جوهر الحكم على صنف الحديث المذكور باعتبار أنّها تحتوي علّة غير قادحة تقتضي التجاوز- كما سيأتي لاحقا-. إذ يقول صاحب البيقونيّة في منظومته معرّفا الصحيح:
أوّلها الصحيح وهو ما اتّصل إسناده ولم يُشذ أو يُعل
يرويه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله
فاتصال السند دون شذوذ أو علل وعدالة الروّاة هي شروط الصحيح في علم الحديث وهو ما نجده متحققا في الحديث المتناول حيث اتصل إسناده في الروايتين المذكورتين على الأقّل دون شذوذ، والمقصود بالشذوذ في الحديث أن يروي الثقة خلافا لمن هو أرجح منه إمّا في العدد أو في الصدق أو في العدالة “فإذا جاء الحديث بسند متصل لكنّه شاذّ بحيث يكون مخالفا لرواية أخرى هي أرجح منه إمّا في العدد وإمّا في الصدق وإمّا في العدالة فإنّه لا يُقبل ولو كان الذي رواه عدلا ولو كان السند متّصلا وذلك من أجل شذوذه” ويكون الشذوذ في الحديث الواحد كما يمكن أن يكون في حديثين منفصلين أو أكثر بمعنى أن لا يشترط في الشذوذ أن يكون في ذات الحديث حيث يمكن أن يكون في حديث آخر يتنزّل في ذات السياق أو الموضوع فيفطن إليه الباحث في قراءة للحديث نقديّة أو توفيقيّة، كما يعدّ من الشذوذ أن يُخالف متن الحديث ما عُلم من الدين بالضرورة..
أمّا العلّة فهي وصف يُخرج الحديث عن القبول ويُشترط فيها أن تكون علّة قادحة بمعنى أن تكون في أصل موضوع الحديث لا في فروعه، من ذلك أن يروي الحديث اثنان أحدهما يرويه بصفة النفي والآخر بالإثبات. إلاّ أنّ العلّة لا تعني ضرورة إخراج حديث ما من دائرة الصحيح بمعزل عن باقي الشروط والمقاييس إذ يُمكن أن ترتفع العلّة في قراءة أخرى أكثر تمحيصا ونظرا في الأدلّة وجوهر الموضوع ممّا يوحي بأنّ شرط العلّة شرط تقريبيّ غير جازم مقياسه الاجتهاد والاستعمال السالم والصحيح للأدلة والاستنباط وطرق الاستدلال وغيرها…
أمّا من حيث الإضافة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فالحديث مرفوع على الأرجح، والمرفوع هو ما أضيف إلى النبيّ عليه الصلاة والسلاّم قولا أو فعلا أو تقريرا، والقول برفع حديث التجديد قولا ولفظا مباشرا فهو مذهب رجّحه الفقهاء، أمّا قول أبي علقمة “فيما أعلم عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم” فأوّله بعض الفقهاء على غير الرفع مثل المنذري في قوله “الراوي لم يجزم به” ،لكنّه رأي لم يوافقه عليه جمع من الفقهاء وأصحاب الحديث مثل الآبادي في عونه حين عقبّ بقوله ” قلت نعم لكن مثل ذلك لا يُقال من قبيل الرأي إنّما هو من شأن النبوّة فتعيّن كونه مرفوعا” .
ولعلّ كلّ ما سبق جدير بوضع حديث التجديد في مرتبة الصحيح من حيث السند لتوفر شروط ذلك حسب علم مصطلح الحديث وأهله من اتصّال للسند ما عدى في رواية بن شريح كما سبق بيانه، وثقة رجاله. ولا تعدو أن تكون هذه الآراء والمذاهب والمقاربات التي حامت حول سند حديث التجديد، في حد ذاتها إلاّ ضربا من ضروب الاجتهاد والتجديد في الدين وأصوله أسهم تدريجيّا في ظهور علوم حافّة بالفقه والحديث والأصول من قبيل علم الرجال والتعديل والتجريح والتراجم والأخبار والمصطلح، ذلك أنّ النظر في السند من أولى علوم الحديث لما له من قاطع الدليل على شرف الحديث وقوّة درجته.. ولعلّ ذلك ما رمى إليه صاحب المقدّمة في قوله ” ومن علوم الأحاديث النظر في الأسانيد ومعرفة ما يجب العمل به من الأحاديث بوقوعه على السند الكامل الشروط لأنّ العمل إنّما وجب بما يغلب على الظنّ صدقه من أخبار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيُجتهد في الطريق التي تحصّل ذلك الظنّ وهو بمعرفة روّاة الحديث بالعدالة والضبط..” ، وقد أفرزت هذه العلوم مدارس فقهيّة ثريّة ومختلفة امتدّت على غير رقعة من بلاد الإسلام أبرزها مدارس المدينة ومكّة والكوفة والشام ثمّ لاحقا خراسان والقيروان.. وذلك ما أشار إليه أستاذنا كمال عمران في قراءته لحديث التجديد لأبي داود “فهو يعود إلى اصطلاحات تعبّر عن منازل للحديث مختلفة، وهي تنطق دونما ريب عن جهد اضطلع به علماء الحديث رواية ودراية حتى استقام العلم بشكل أفضى إلى ظهور المدارس الكبرى: مدرسة المدينة، مدرسة مكّة، مدرسة الشّام، مدرسة بغداد، مدرسة خراسان، مدرسة القيروان. وبرز في هذه المدارس من الأساطين من حوّلوا التعامل مع الحديث إلى علم قائم يمتلك منطقا علميّا خاصّا به.” .

– متنه ومقتضى الشرع
إن طبيعة الشريعة الإسلاميّة الكليّة والشاملة تقتضي بالضرورة الفعل التجديديّ من حيث هي بحاجة مستمرّة ومطّردة لفكر جديد مستجدّ ينفض عنها غبار تقادم الزمن وبلوّ دواعي العلم والتعلّم عند أهله وفتور حماسة النّاس إلى الدين والعلوم الشرعيّة. ولعلّ في حديث تجديد الإيمان إشارة إلى ذلك حيث روى الحاكم في مستدركه “..قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جدّدوا إيمانكم قيل يا رسول الله وكيف نجدّد إيماننا؟ قال أكثروا من قول لا إله إلاّ الله ” وقد عقّب الحاكم عن الحديث بقوله “هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يُخرجاه” . وهو يعني أنّ الدين في أجزاء منه قائم على التجديد مثل الإيمان وكذلك مختلف العلوم الشرعيّة مثل الفقه وأصوله والتفسير واللغة.. ولئن كان تجديد الإيمان يقوم على الذكر كما ورد في الحديث لفظا فإنّ تجديد الدين عامّة يكون بالعلم والاجتهاد في وضعه وتحصيله كما يُفهم من حديث التجديد إشارة وتأويلا وذلك بتنزيله في السياق العام لورود الحديث ومقتضاه.. ويجمع عنصر تقدّم الزمن وتقادمه بين الفعلين التجديديين المذكورين.. ثمّ إنّ صفة خلود الشريعة الإسلاميّة تقتضي لزاما فعل التجديد عبر الزمن وكذلك المكان، وبنسق خطّي مطّرد يتجاوز المكان الواحد والفهم الواحد والمذهب الواحد. إذ كانت شرائع الأنبياء السابقين للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم ينسخ بعضها بعضا، وكان تصويب عقائد النّاس وتصرّفاتهم وتقويم ما اعوّج في حياتهم يتمّ عبر وحي السماء، فلمّا كان محمّد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين وكانت شريعة الإسلام هي الشريعة الممتدّة الخالدة الصالحة لكلّ زمان ومكان والتي لا يلحقها نسخ ولا تبديل.. كان لابدّ من عنصر التجديد الديني حفظا للإسلام من التبديل والتحريف وتصديقا لقوله تعالى “إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون” . إلاّ أنّ هذا التجديد لا يكون وحيا وقد انقطع خبر السماء بموت قرم العظماء محمّد عليه الصلاة والسلام، إنّما يكون ذلك بالعلم والاجتهاد لأن نصوص الشريعة محدودة بينما الحوادث العارضة ممدودة، “فلا بدّ والحالة هذه من فتح باب الاجتهاد والتجديد بحيث يستطيع مجتهدو كلّ عصر أن يُنزلوا النصوص الشرعيّة على ما يستجدّ من أحداث في زمانهم ويتغيّر من أحوال النّاس في بيئاتهم” . ويقول الإمام الشاطبي في هذا المعنى “لأنّ الوقائع في الوجود لا تنحصر فلا يصحّ دخولها تحت الأدلة المنحصرة لذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من قياس وغيره فلابدّ من حدوث وقائع لا يكون منصوصا على حكمها ولا يوجد للأوّلين فيها اجتهاد وعند ذلك إمّا أن يُترك النّاس فيها مع أهوائهم أو يُنظر فيها بغير اجتهاد شرعيّ وهو أيضا اتّباع للهوى وهو معنى تعطيل التكليف لزوما وهو مؤدّ إلى تكليف ما لا يُطاق فإذا لابدّ من الاجتهاد في كلّ زمان لأنّ الوقائع لا تختصّ بزمان دون زمان..” .
وذلك ليس ببعيد أيضا عمّا ذهب إليه برناز في “الشعب المخرقة” عند تعرّضه لحديث المجتهد حيث جعل إنكار الاجتهاد “خوضا باطلا في كلام النبوّة وجهلا واضحا بأقاويل العلماء وذكّر بأصل ثابت عنده هو أنّ حكم الحديث حكم النبوّة لا يجوز الجرأة على الخوض فيه برأي الإنسان والإقدام على ذلك إلحاد فيه وعدوان كما نصّ عليه أئمة هذا الشأن..” . ولعلّ ذلك لا ينسحب على عموم الحديث وإنّما المقصود ما عقد عليه الإجماع وكان من الأصول التي يُعدّ القدح فيها بالرأي تحاملا على الحديث وأهله وما بذلوه من جهد واجتهاد للذبّ عن السنّة المطّهرة, أمّا قراءة الحديث قراءة فقهيّة نقديّة نزيهة قائمة على أسس ومقاييس علميّة وموضوعيّة فذلك اجتهاد في حدّ ذاته وليس من باب العدوان على الأحاديث، ذلك أنّ القراءة العلميّة والموضوعيّة لا ينبغي أن تقيّد بالنظرة التقديسيّة إلاّ فيما يتعلّق بالأصول الكليّة والقطعيّة المعلومة من الدين بالضرورة والتي لا يسوغ أن تكون محلّ نظر أو تشكيك لأنها قويّة لذاتها وغيرها من النصوص التأسيسيّة والتقعيديّة للدين.. ولعلّ ما قصده برناز هنا قراءة معيّنة لمتون الحديث متعسّفة تُخرجها من سياقها المتنزّلة فيه وتطوّعها بحسب مقاصد أخرى سياسيّة أو مذهبيّة وذلك الفرق بين التأويل والتحريف، فالتأويل قراءة لنصّ متعدد المعاني ولكن تقيّدا بقرائن معيّنة قد تكون لفظيّة أو سياقيّة مقاميّة، كما يمكن أن تكون تقريبيّة بنصوص أخرى ثابتة المعنى والدلالة تكون قراءتها تفسيريّة.. أمّا التحريف فهو التقوّل على نصّ من النصوص بتفسيره على غير الوجه المقصود به دون قرائن أو حجج معقولة الاستدلال والبرهنة، وعادة ما يكون ذلك لأهداف سياسيّة مذهبيّة ضيّقة لا تبتغي إظهار العلم وإجلاء الحقيقة.. والأمثلة في ذلك عديدة لا تكاد تحصى خاصة فيما تعلّق بالسجال التاريخي بين أهل السنّة والشيعة وما شابه من خلافات واختلافات تصل درجة التكفير والاقتتال والكلّ يدّعي ملكيّة حصريّة واحتكاريّة للحقيقة لا تنبغي لغيره.. وأساس ذلك الرأي وليس الاستدلال الصحيح بثابت النصوص وقاطع الأدلة وذلك ما أشار له برناز في قوله “برأي الانسان” ومعلوم أنّ الرأي ليس حجّة تشريعيّة إلاّ إذا كان اجتهادا مستوفي الشروط يستند إلى منطق الاستدلال العلمي والعقلي الذي لا تخالطه غاية أو شبهة مذهبيّة سياسيّة أو مصلحة نفعيّة.. وفي كلام برناز عموما إحالة إلى بعض شروط قراءة الحديث التي نصّ عليها علماؤه أوّلها عدم التقوّل بالرأي الذي يقابله الدليل القاطع الذي لا يبقى معه تأويل بحيث يمكن ويحسن الوقوف عنده والاطمئنان لحكمه فالأخذ به. ومن هنا يمكن الخروج بأهمّ مميّزات الشريعة السمحة التي تقوّي معنى التجديد الديني وتنمّيه وتقتضي معانيه، وهي صفة الاستمرار والخلود والمواكبة للأمكنة والأزمنة وقيامها على مبدإ الحركة والتطوّر فالإيمان مثلا يزيد وينقص بحسب الأحوال وكذلك العلم يقوى ويفتر في الطلب والفهم والتحصيل، إضافة إلى تميّزها بعنصر الاجتهاد الذي يعتبر من أهمّ عناصر الحيويّة والتجديد في الإسلام والذي نعرض إليه لاحقا بأكثر تفصيل إن شاء الله.

– معنى الحديث عند الأصوليين
تعرّض عدد من أصحاب الحديث والفقهاء إلى حديث التجديد بالشرح والتفسير فكانت لهم في ذلك مذاهب وآراء تلتقي أحيانا وتختلف أخرى لا تخلو من اجتهاد وميولات عاطفيّة ومذهبيّة تكشف في أغلب وجوهها عن نوع من القراءة لا يخرج عن دائرة الخطّ الواحد والنظرة الواحدة للمذهب ينمّ عن واقع ديني سائد تحتدم فيه الآراء والمواقف والتجاذبات الفكريّة والفقهيّة لا تخرج عن دائرة الولاية والحضانة السياسيّة السائدة والموجّهة أحيانا لهذا الرأي أو ذاك.. ولعلّ ما ذهب إليه بعض المتمحّصين في حديث التجديد لا يشذّ عن هذه الصورة لا سيّما فيما تعلّق بتعديد وتصنيف المقصود بالحديث.
وقد أتى العظيم الآبادي على جانب وفير من تفسيرات حديث التجديد في شرحه لسنن أبي داود لعدد من أرباب الرواية والفقه. فرغم أنّ ظاهر الحديث يوحي ببساطته ووضوح معناه إلاّ أنّ تدقيق الفقهاء والمفسّرين وتمحيصهم في جزئيّاته فسح مجالا واسعا للاختلاف وتباين الآراء منذ الوهلة الأولى وتحديدا فيما يخُصّ معنى البعث وزمنه، فذهب الطّيبي إلى أنّ المراد بالبعث في الحديث “من انقضت المائة وهو حيّ عالم يُشار إليه” . وسانده في ذلك السيّوطي في أرجوزته بقوله: “والشرط في ذلك أن تمضي المائة وهو على حياته بين الفئة يُشار بالعلم إلى مقامه وينشر السنّة في كلامه..” ، ويضيف في مرقاة الصعود نقلا عن ابن الأثير “وإنّما المراد بالمذكور من انقضت المائة وهو حيّ معلوم مشهور يُشار إليه” . إلاّ أنّ الآبادي لا يتفق مع هذا الرأي ذلك أنّ أصحابه أوّلوا معنى رأس السنة بأوّلها وذلك عنده ليس صحيحا بالضرورة، ففي تاج العروس رأس الشيء طرفه وقيل آخره أيضا.. وخالف قياس حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي أخرجه الترمذي في الشمائل موقوفا “بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكّة عشر سنين وتوفّاه الله على رأس ستين سنة”، قال الطيبي ” الرأس مجاز عن آخر السنة وتسميته رأسا باعتبار أنّه مبدأ لسنة أخرى..” ، فاحتجّ الآبادي بحديث ابن عمر المتفق عليه “أرأيتكم ليلتكم هذه فإنّ على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد” أي بعد مائة سنة، وكذلك ما ذهب إليه ابن حجر في فتح الباري من أنّ رأس السنة آخرها.. يقول صاحب العون: “ثمّ اعلم أنّ ابن الأثير والطيبي وغيرهما زعموا أنّ المجدد هو الذي انقضت المائة وهو حيّ معلوم مشار إليه، فجعلوا حياة المجدد وبقاءه بعد انقضاء المائة شرطا له، فعلى هذا من كان على رأس المائة أي آخرها ووُجد فيه جميع أوصاف المجدد إلاّ أنّه لم يبق بعد انقضاء المائة لم يكن مجددّا، لكن لم يظهر لي على هذا الاشتراط دليل..” .
ولعلّ ما ذهب إليه الآبادي وابن حجر وغيرهم من أنّ المقصود برأس السنة آخرها هو الأرجح، فرأس الشيء آخره أو أعلاه، فنقول رأس الجبل بمعنى أعلاه وآخره صعودا ولا يُمكن أن نُسمّي أوّل الجبل رأسا وكذلك الإنسان.. والاختلاف في ذلك لا يعدو أن يكون مبالغة في التفصيل والتدقيق فلا كبير فرق بين آخر المائة وأوّلها في بعثة المجدّد بمعنى أن يشتهر علمه ويشيع إلاّ أنّ غايات في نفوس بعض الشرّاح والمفسّرين هي التي تدفعهم أحيانا إلى المبالغة في التدقيق والتفصيل ووضع شروط دون غيرها لا تعدو أن تكون اجتهاديّة في الغالب ، ومنها محاولة حصر وتشخيص المقصود بالحديث من مجددّين على رأس القرون، ومن المعلوم أنّ هذا التشخيص والتعيين لهويّة المجدد لن يخلو من عواطف وميولات مذهبيّة ونزعات عصبيّة، من ذلك ما أشار إليه الحافظ بن حجر في توالي التأسيس “قال أبو بكر البزار سمعت عبد الملك بن عبد الحميد الميموني يقول كنت عند أحمد بن حنبل فجرى ذكر الشافعي فرأيت أحمد يرفعه وقال رُوي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول إنّ الله تعالى يُقيّض في رأس كلّ مائة سنة من يُعلّم النّاس دينهم قال فكان عمر بن عبد العزيز في رأس المائة الأولى وارجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى” . وكذلك إذا ما نظرنا في تصنيف السيّوطي في أرجوزته “لتبيّن لنا أنّ الامر موكول إلى الاختيار وأنّ الاختيار لا يسلم من العاطفة فقد جعل على المائة الاولى عمر بن عبد العزيز (توفى 101ه) ولنا ان نتساءل عن طائفة من علماء الحديث والفقه.. وجعل السيّوطي الشافعي (توفى 204ه) مجدّد المائة الثانية وهو على مذهب أبي إدريس..” . إلاّ انّ ما ذهب إليه ابن كثير في جامع الأصول فتح المجال أوسع للاجتهاد والتصنيف في هذا الباب وتحديدا فيما تعلّق بقراءة وتفسير اسم الموصول “من” (من يُجدّد لها دينها)، حيث رجّح أن يكون معناها في هذا السياق الجمع لا الإفراد إذ يقول “قد ادّعى كلّ قوم في إمامهم أنّه المراد بهذا الحديث، والظاهر أنّه يعُّم حملة العلم من كلّ طائفة وكلّ صنف من أصناف العلماء مفسّرين ومُحدّثين وفقهاء ونحاة ولُغويين..” ، وهو ما جعله يذكر طوائف من العلماء عدّهم من المجدّدين وخالف بذلك السائد في التصنيف والاختيار، فذكر أبو جعفر الإمامي محمّد بن الباقر والمرتضى أخا الرضا الإمامي.. إلاّ انّه في ذات الوقت قد فتح بابا آخر للاختلاف والتباين في الآراء يصل درجة التحامل والتشنيع بالرأي المخالف، ومن ذلك ما ذهب إليه جمع من الفقهاء في إنكار ما ذكره في جامعه ” وهذا عنده خطأ فاحش وغلط بيّن لأن علماء الشيعة لا يستحقّون هذه الرتبة وإن وصلوا إلى الاجتهاد وبلغوا أقصى العلوم واشتهروا غاية الاشتهار..كيف وهم يُخرّبون الدين فكيف يجدّدونه ؟ ويُميتون السنن فكيف يُحيونها؟ ويُروّجون البدع فكيف يمحونها؟ وليسوا إلاّ من الغالين المُبطلين الجاهلين وجلّ طاعتهم التحريف والانتحال والتأويل لا تجديد الدين ولا إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنّة هداهم الله تعالى إلى سواء السبيل..” .
وإن كان الآبادي وابن حجر وغيرهم يتفقون في هذا الصدد مع ابن كثير في إمكانيّة تعدد المجدّدين في القرن الواحد كما في العون “واعلم أنّه لا يلزم أن يكون على رأس كلّ مائة سنة مجدّد واحد فقط بل يُمكن أن يكون أكثر من واحد قال الحافظ بن حجر في توالي التأسيس حمل بعض الأئمة “من” في هذا الحديث على أكثر من الواحد وهو ممكن بالنسبة إلى لفظ الحديث..” ، وهو كذلك ما ذهب إليه الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور في تفسيره للحديث إلاّ أنّ جوهر الخلاف والمأخذ على ابن كثير يكمن أساسا في معايير ومقاييس التعيين والتشخيص فالمجدّدون لا يمكن أن يكونوا إلاّ من السنّة.. وهو ما يعني أنّ في بعض قراءات المفسّرين للحديث قيودا انتقائيّة وحدودا منحصرة في دائرة مسطّرة مسبقا قد يتداخل فيها أحيانا الوازع الدينيّ بالدافع السياسيّ وحتّى العرقيّ والجغرافيّ . وهو ما ينّم عن واقع فكريّ وسم الثقافة الإسلاميّة منذ بدايتها ورافق مراحل تطوّرها على قدر من الحذر والتعصّب يصل درجة الإقصاء والتهميش لاسيما بعيد القرن الثاني حيث اشتدّت عاصفة الفتن والتفرّق بين المسلمين فكانوا شيعا ومذاهب انقطع الحوار بينهم وتراشقوا التهم بالكفر والتضليل..والكلّ فيها يدّعي ملكيّة حصريّة للحقيقة الكليّة التي ظفر بها طرف وضلّ عنها الآخرون، وهو واقع كانت له ظلاله على الفكر والدين والسياسة وغيرها.. أثّرت على اتجاهات قراءة النّص الديني إلى حدّ ما، فكانت قراءات مذهبيّة انتقائيّة إقصائيّة شكّلت ملامح ثقافة بأسرها..”ويبدو الاختلاف الأصلي الكامن في قراءة حديث المجدّد عند الشرّاح خطير الأثر لأنّه يُؤكد ما آلت إليه الثقافة الإسلاميّة من انغلاق وما كان عليه المجتمع الإسلامي من انغلاق في البنية فعمّ معيار الانتماء البعد العلمي والاجتماعي والجغرافي باعتبار أنّ مناطق النفوذ المتباينة القائمة تحت سيطرة السنّة أو الشيعة هي الموّجه للفكر الناحت للحقيقة، فما كان يقينا عند أهل السنّة كان شكّا وتهافتا عند أهل الشيعة وما كان عصمة وثباتا عند الشيعة كان بدعة وإحداثا عند أهل السنّة..” . واللافت للنظر أنّ هذه القراءة الحصريّة لحديث التجديد لا تقتصر على المتقدمين فقط حيث نسج على منوالها المتأخرون من الفقهاء والمفسّرين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم حيث يقول الشيخ عبد المحسن عبّاد في شرحه لسنن أبي داود في باب حديث التجديد “ولا شكّ أن المجددين موجودون وهم على علم بالكتاب والسنّة وعلى بصيرة بالحق والهدى وليس عندهم انحراف في العقيدة.. وليس كلّ من يدّعي أنّه من المجددين يُسلّم له وبعضهم لا شكّ أنه مسلّم به مثل عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى والشافعي على رأس المائة الثانية، ولكن لا يُسلّم بكلّ من يدّعي أنه من المجدّدين فإنّ بعض النّاس يذكر مجدّدين على مشربه وعلى طريقته ولو كانوا من أهل البدع والانحراف..” ، وقد لاقت مثل هذه القراءات الانتقائيّة والاقصائيّة المتكررة النقد والتعريض من قبل فقهاء ومفكّرين لا سيما من المتأخرين ولعلّ من أبرزهم محمّد إقبال في كتابه تجديد الفكر الديني الذي احتجّ بما خلُص إليه الفيلسوف الانجليزي هوبز من “أنّ من تتناوبه سلسلة من الأفكار المتكررة ونفس الشعور المتكرر لا تنتابه أفكار ولا شعور مطلقا، وهذا هو نصيب معظم الأمم الإسلاميّة اليوم فهم يُكررون القول بالقيم التي قال بها السلف بطريقة آليّة..” .ولعلنا هنا لا نجد مناصا من التعرض لقراءة الشيخ ابن عاشور لحديث التجديد فرغم أنّه تجاوز إشكال السند الذي يجري عنده على ما أقرّه الحفّاظ وعلماء الحديث إلا أنّ قراءته للمتن كانت ثرية ومكتنزة المعاني وموسعة أكثر حتى أنه يمكن وصفها بأنّها “عملا ثقافيا تاريخيّا منسوجا على الثقافة التي ينتمي إليها الشيخ ..” فهو لم يقطع مع الأصالة “فجعل التجديد مقابلا للرثيث مستدعيا العود إلى الأصل وفترة التمكن والقوّة ” . وقد لخّص موقفه من القضيّة بالقول: “فالتجديد الديني يلزم أن يعود عمله بإصلاح الناس في الدنيا إمّا من جهة التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدين كما هي وإمّا من جهة العمل الديني الراجع إلى إصلاح الأعمال وإمّا من جهة تأييد سلطانه” ، وهو موقف يقرأ المسألة من جهتي الموروث والطارئ ومنه تتجلى لنا رؤية ابن عاشور التي انصرفت عن مذهب أسلاف المفسرين بما يشبه نوعا من اختراق المعنى القديم إلى آخر مستجّد في ذاته وواقعه يخرج عن المعنى المحدد “لأمر الدين” كما فهمه القدامى، فوسّع دائرة المقصود بالحديث “إلى رجال السياسة بل إن عدد رجال السياسة يعادل عدد رجال العلم” وقد ذكر الشيخ في هذا الصدد ما ذهب إليه الشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي في المعيار المعرب ” وكذلك لا يلزم منه أنّه أراد بالمبعوث الفقهاء خاصّة كما ذهب إليه بعض العلماء فإنّ انتفاع الأمّة بغيرهم كثير مثل أولي الأمر وأصحاب الحديث والقرّاء والوعّاظ وأصحاب الطبقات من الزهّاد فإنّ كل قوم ينتفعون بفنّ لا ينتفع به الآخر، إذ الأصل في حفظ الدين وحفظ قانون السياسة وبث العدل والتناصف الذي تحقن به الدماء ويتمكن من إقامة قوانين الشرع وهذه وظيفة أولي الأمر..” وهو معنى وافقه ابن عاشور وتبناه في قوله “وبذلك لا يمنع أن يكون المجدد من بعض القرون من الملوك وليس يلزم التزام كونه من صنف العلماء” ، ولكنه في ذات الوقت يرجّح أن يكون المقصود بالتجديد الإفراد ليس الجمع رغم أنّ اسم الموصول “من” يقتضي الحالين، وذلك بحجّة وقع التأثير في الأمّة وهو سبب التخصيص والوصف بالتجديد، يقول ابن عاشور عن هذه الفكرة “ثم أن الأظهر أن يكون هذا المجدد واحدا لأن اضطلاعه بالتجديد وهو واحد يكون أوقع لذا يكون عمله مستجدا ويكون أنفذ إذ يسلم من تفارق الاختلاف باختلاف الاجتهاد في وسائل المقصد” . وليس في الأمر تناقضا حيث ذهب الشيخ في تأويل الحديث مذهبا توفيقيا راعى فيه مختلف الدلالات وجمع فيه بين المتباين من المذاهب والتفسيرات حيث ربط انفراد المجدد بالقطر الواحد وكذلك بمجال مخصوص فلا مانع عنده من تعدد المجددين في الزمان الواحد ولكن ليس في البلد الواحد فلا يكون في بلد إلا مجدد واحد في علم بعينه أو سلطان، حيث يحتمل أيضا ظهور اثنين أحدهما في الدين والآخر في السياسة أو أحد الفروع والفنون الأخرى فلا يظهر معه في اختصاصه آخر بحيث يتحقق شرطا التفضيل والتخصيص بالنسبة إلى المجدد ويقول في ذلك “وربما اقتضى حال الزمان أن يكون المجدد متعددا في الأقطار بأن يقوم في أقطار الإسلام مجدّدون دعوتهم واحدة أو يكون رجلان فأكثر متظاهرين على عمل التجديد في موضع واحد ولقد جوّز ابن السبكي أن يكون ابن سريج وأبو الحسن الأشعري مجدّدين في نهاية المائة الثالثة، أوّلهما في الفروع وثانيهما في الأصول ولا مانع من قيام رجلين بمهمّ واحد” . كما توسّع بعد ذلك ابن عاشور لتعديد شروط أخرى تشكل ملامح شخص المجدد حسب رأيه الخاص في المسألة سنتعرض إليها إن شاء الله في عنصر لاحق. وعموما يمكن المجازفة بالقول إن قراءة ابن عاشور لحديث التجديد لاسيما فيما يخص المقصود به، كان على قدر من الجرأة والدقّة معا تميّز بها عن عامة جموع المفسرين إلاّ أنه لم يشذّ في ذلك.
وهي قراءة للحديث وفهم لمعانيه لم يأنسها كثير من المفسرين والعلماء لاسيما من الأوّلين الذين رفضوا توسيع دائرة المجددين لتشمل غير أصحاب المذهب ناهيك من غير العلماء والفقهاء أصلا إلاّ أن ذلك لم يمنع ثلة من المتأخرين من موافقة ابن عاشور في قراءته المستجدّة لحديث التجديد وفهمه وهو رأي ربط فيه الشيخ الدين بالدنيا ربطا سياسيا متأوّلا في ذلك مبدأ اشتمال الدين على مقتضى أحوال البلاد والعباد وعلى هذا الأساس تحدث شيخنا عن التجديد كعنصر من عناصر اكتمال الدين وكماله وأناطه بقواعد مضبوطة في التعامل هي “العمل بالدين وتحقيق مقاصده أوّلا ونصرته وإقامته ثانيا وانتشاره وزيادته وتسهيل بثه ثالثا وحراسته وحفظه من تدخل الضلالات رابعا ودفع نائبة حلّت بالإسلام إذا استمرّت أفضت إلى طمس معالم الدين أو إفساد الإيمان أو ذهاب سلطانه خامسا” ، وهي عناصر وقواعد لا يكفيها العلم فقط لتتحقق وإنّما أيضا تطلب السيف والسلطان لذلك جعل ابن عاشور جمعا من الحكّام من المجددين إلى درجة إضفاء نوع من القدسيّة عليهم كما أضفى مذهب القدامى تعظيما وقداسة تامين على المشمولين بوصف التجديد، فيمكن بذلك القول إن ابن عاشور على قدر حفاظه على عنصر القديم في فهم وتأويل الحديث، كان جريئا في تعديد بعض المجددين لاسيما في القرون الأخيرة. حيث عدّ على سبيل الذكر السلطان ابن سبكتكين الغزنوي المكنّى بيمين الدولة مجدد المائة الخامسة والزمخشري في السادسة وغيرهما.. ليواصل بدوره توسيع دائرة الاختلاف في قراءة المعاني المتعددة للحديث وإن كان اختلاف تنوّع وفروع لا يضرّ بأصل الحديث وجوهر معناه.
كما وقع الاختلاف أيضا بشأن حديث التجديد فيما يتعلّق بقراءة وتفسير معنى “الأمّة”، هل هي أمّة الإجابة أو أمّة الدعوة ولكنّ الأرجح أن يكون المقصود بالأمّة أمّة الإجابة والحجّة في ذلك قوله “إلى هذه الأمة” مستعملا اسم الإشارة “هذه” للتقريب والمعلوم أنّ أمّة الإجابة أي أمّة الإسلام أقرب من أمّة الدعوة وهي الأمّة الواجب دعوتها إلى دين الإسلام وما يُقوّي هذا الطرح إضافة الدين إليها في قوله “دينها” ومعلوم أنّ الدين عند الله الإسلام وهو ما ذهب إليه المناوي بقوله “وممّا يُرجّح كون الأمّة أمّة الإجابة إضافة الدين إليها في قوله دينها” .
كما ذهب المفسرون مذاهب في الاحتساب لأوّل البعثة المقصودة هل يُعتبر من المولد النبوي أو الهجرة أو الوفاة؟ فذهب المناوي إلى أن يكون المراد بالاحتساب زمن البعثة فيما خيّر آخرون مثل السبكي وغيره الهجرة إذ ذكر صاحب العون في شرحه “وقال المناوي في مقدمة فيض القدير: واختلف في رأس المائة هل يُعتبر من المولد النبوي أو البعثة أو الهجرة أو الوفاة ولو قيل بأقربيّة الثاني لم يبعد لكن صنيع السبكي وغيره مصرّح بأنّ المراد الثالث..” .إلاّ أنّ الأرجح في اختيار زمن أوّل الاحتساب للبعثة –بعثة المجدّد- إنّما تكون الوفاة دون غيرها وذلك أنّ ما قبلها هي مرحلة تأسيسيّة للدين مفتوحة فيها أبواب السماء بالوحي وقائم فيها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بدين الله، وهي مرحلة اكتمل فيها الدين بنصّ الآية المشهورة، فكانت مرحلة ما بعد النبيّ عليه الصلاة والسّلام مرحلة فتوحات وانتشار للإسلام في أصقاع من الأرض مختلفة حتّى تقادم الزمان وظهرت الفتن والبدع وهو ما استوجب ظهور من يرُّد عن الإسلام الشبهات والمحدثات فكانت آخر المائة من وفاته عليه الصلاة والسّلام مظّنة ظهور مجدّدين ينفضون عنه غبار هذه المحدثات والشوائب، لذلك عدّ أغلب فقهاء السنّة ابن عبد العزيز من المجدّدين الأول وهو المتوفّى سنة 101 هجريّا، أي بعد نحو تسعين سنة من وفاة النبيّ الكريم أي في أواخر المائة الأولى لوفاته صلّى الله عليه وسلّم، لذلك كان الأولى في بداية زمن الاحتساب لبعثة المجدّد هي وفاته عليه السلام وليس الهجرة كما ذهب إلى ذلك زمرة من الفقهاء..
وهذا رأينا في المسألة وهو أيضا ما ذهب إليه ابن عاشور في تحقيقاته واستدلّ على ذلك بأن ظهور زمن بداية العدّ للتجديد لا يكون ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما يزال بين أظهر المسلمين فالدين حينها لا يحتاج إلى تجديد والوحي ينزل من السماء لذلك رجّح أن يكون بداية الاحتساب من زمن وفاته عليه السلام إلى مائة عام تليها وهي مظنّة تطرّق الرثاثة والاحتياج إلى فعل التجديد، يقول ابن عاشور “إلاّ أنّ قرينة قوله من يجدد لهذه الأمّة أمر دينها دلّت على أنّ ذلك لا يكون ما دام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أظهر المسلمين لأن وجود الرسول وقاية للدين من الرثاثة وسلامة له من التخلّق فلا يحتاج إلى التجديد فيتعيّن أن يكون ابتداء العدّ عقب وفاة الرسول..” إلاّ أنه ذهب مذهب السيّوطي والطيبي وابن الأثير في القول بأنّ زمن البعثة يكون في أوّل المائة لا آخرها بمعنى أنّه أوّل الرأس بأوّل الشيء لا آخره في سياق الحديث وهو قول فيه نظر بعد تدبّر لأنّ التجديد إنّما يكون بعد خلَق ورثاثة والخلق والرثاثة في الدين حدثا بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بتطاول الزمن وتقادمه إلى مائة سنة تلت فيكون بذلك بعث المجدّد في آخر المائة ليس أوّلها وهي الفترة الأولى بالتجديد إلا أنه قد يتواصل ظهور فعل التجديد في أوّلها أيضا والعبرة في الأثر والفعل لا في الزمن والظهور لذلك لا يخرج الاختلاف في هذا المنحى عن كونه من الجزئيّات الثانويّة التي لا تنفع بل قد تضر إذا ما أخذت غير قدرها من الوقت والجهد والجدال، فيصرف ذلك الطاقة عن المهمّ والأهمّ وهو ما قد يعمّق أزمة الهرج الفكريّ التي دخلت على منظومة الفكر الإسلامي منذ بدايات تشكّلها لتسطّر ملامح تفرق وعناصر اختلاف مهمّة من الثقافة الإسلاميّة مازلنا نقف عليها إلى يومنا هذا وقوف الأبطال على الأطلال.. ولعلّ شيخنا هنا يكون قد ناقض قوله الأوّل من اعتبار زمن بداية العدّ من الوفاة حيث اعتبر البخاري من مجددي القرن الثالث للهجرة وهو لذلك مستحقّ، يقول “كان ابتداء ظهور عمل محمّد ابن إسماعيل البخاري في مبتدإ القرن الثالث من يوم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقالته تلك، أعني في حدود سنة 211هـ ..” ومعلوم أنّ وفاة النبيّ كانت سنة 11 للهجرة فيكون زمن ظهور تجديد البخاري في آخر المائة ليس في أوّلها وتكون بذلك تباعا بداية كل قرن هجريّ هي نهاية القرن المستدعي للتجديد..
وإجمالا فإنّ المتمعّن في أقوال الفقهاء والشرّاح المتعلّقة بحديث التجديد يجد فيها اختلافا ذا وجهين، أحدهما شكليّ غير مؤثر أو ليس بعميق وإن تعلّق بسند الحديث حيث أعضله بعضهم وضعّف آخرون إمكان رفعه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قولا، إلاّ أنّ الرواية المعضلة تقابلها روايات أخرى متّصلة السند. أمّا من حيث الرفع فالحديث مرفوع كما بيّن الآبادي وذلك لصعوبة وقف مثل معنى هذا الحديث على صحابيّ من الصحابة رضي الله عنهم مهما كانت درجته أو قربه للنبيّ، إذ أنّ المعنى الحاصل من الحديث لا يُمكن أن يكون إلاّ من أقوال النبوّة…
أمّا الاختلاف الآخر بين الفقهاء في الحديث فهو دلاليّ معنوي يتعلّق بمتن الحديث، تتعدّد فيه التفسيرات والتأويلات فكانت مذاهب واتجاهات لا تخلو أغلبها من ميولات وتعاطف وسمت الثقافة العربيّة الإسلاميّة في تلك المرحلة التأسيسيّة التي فتحت أولى صفحات المدوّنة الثقافيّة والفكريّة الإسلاميّة وأثرتها بكمّ هائل من المصنّفات والقراءات التي فتحت الباب واسعا لظهور مذاهب وعلوم إسلاميّة متنوّعة بدءا بالتفاسير وعلم الأصول والفقه واللغة وعلوم الحديث وصولا إلى كتب الشروح والسير والفتاوى.. كلّها قامت على أسّ من أبرز دعائم ومقوّمات الدين وهو الاجتهاد الذي يمثّل حديث التجديد من أقوى مرتكزاته وأعمدته التي قام عليها.. رغم ما دخله من تعطيل في فترة من الفترات لأسباب مذهبيّة وسياسيّة بالأساس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: