بقلم عبد الناصر عمر حوشان: في “الغوطة” سقط الوهم و تجلّت الحقيقة..

سورية – السفير
بقلم: عبد الناصر العمر حوشان (محامي وناشط حقوقي سوري)

• الغوطة أولى المناطق الشامية التي خرجت في هذه الثورة في بدايتها السلمية وأولها التي التحقت بالعمل العسكري للدفاع عن الثورة والثوار ضد بطش النظام , فانتصرت لدرعا و بانياس وحماه و حلب و دير الزور واللاذقية، وكانت الشوكة القاسية في خاصرة النظام والسهم الأقرب الى صدره، فتحالفت عليها قوى الشر من النظام و شبّيحته من تجار دمشق و وقوى الاحتلال الروسي والإيراني وزجّوا عشرات الالاف من المرتزقة المذهبية الشيعية و حز ب الله و من مرتزقة الأحزاب القومية العربية و مرتزقة الفصائل الفلسطينية بالإضافة الى شبّيحة الأقليات من المسيحيين والدروز والنصيرية .

• لقد تمت محاصرة الغوطة من كل جانب ومنع عنها الدواء والغداء، مما الجأ أهلها الى حفر الانفاق لإدخال الطعام والدواء وبتكاليف باهظة مما زاد في جنون النظام و حلفائه من الروس والإيرانيين فصعّدوا حملاتهم العسكرية عليها فقصفوها بالغازات السامة و البراميل المتفجّرة و الطائرات الحربية وبكافة أنواع الصواريخ الروسية الحديثة فأحالوها الى مدن خراب وأصبحت ملاجئها مقابر جماعية و منازلها مقابر عائلية و استمر الحصار و العدوان والجرائم اكثر من خمس سنين .

• المجتمع الدولي كان شاهد على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية و لكنه كان يلتزم الصمت حيالها متذرعاً بعجزه أمام التعنت الروسي والصيني في حماية النظام السوري و حلفائه, فكانت كل المبادرات الأممية لإدخال المساعدات الإنسانية او وقف العمليات العسكرية في الغوطة تبوء بالفشل لاستخدام روسيا والصين حق الفيتو في مجلس الامن , وكانت المنظمة الدولية تأخذ ذلك ذريعة للتنصل من واجبها الإنساني والأخلاقي في حماية المدنيين و وقف جرائم الإبادة ضد اهل الغوطة فسقط معه وهم المرجعية الأممية و مهمتها في حماية حقوق الانسان و تجلّت معها حقيقة كذب ونفاق المنظمة الدولية .

• صدرت القرارات 2254 و 2118 و 2268 و 2401 عن مجلس الامن والتي تخص الازمة السورية فالأول يقضي بوجوب الانتقال السلمي للسلطة من النظام الى هيئة حكم انتقالية و الثاني يجرم استخدام السلاح الكيماوي في سورية و يحذر النظام من تكرار استخدامه والقرارين الاخرين ينصّان على وقف إطلاق النار في سورية , و جاءت هذه القرار تعبيرا عن إرادة مجلس الامن لوقف تهديد السلم والامن الدوليين الذي تسبّبت به الجرائم الوحشية للنظام ضد الشعب السوري , ولكن أيّاً من تلك القرارات لم ينفّذ بل على العكس من ذلك فمع صدور كل قرار كانت تتصاعد وتيرة الاجرام لدى القوات الروسية والإيرانية ووحشية النظام فيتجدد استخدام الأسلحة المحرمة دوليا و يتجدد استخدام الغازات السامة , وزادت فوقها جريمة التهجير القسري لأهالي تلك المناطق مما اسقط وهم حفاظ مجلس الامن على السلم والامن الدوليين و تجلّت حقيقته أنه مجرد مسرح عبثي يتحكّم في مصائر الشعوب في سبيل الحفاظ على مصالح الدول الكبرى وفق قواعد لعبة الأمم .

• في الغوطة سقط وهم إنسانية المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر الدولي و الايفاد و الهيئات الاغاثية الدولية وتجلّت حقيقتها بأنها لم تكن إلا أدوات قهر و تركيع الشعوب والتلاعب في مصائرها فما نفعها إذا لم تستطع كسر حصار عن قرية او ادخال طرد دواء او سلة غداء او علبة حليب الى طفل في تلك المناطق , والانكى من ذلك أصبحت غطاءً دولياً لسفاح دمشق و تحمي تحركاته تحت رايتها و ضمن قوافلها و على معابرها التي من المفترض ان تكون أمنة لخروج المرضى لا ان تكون آمنة لدخول الوحوش الى قفص الأبرياء المحاصرين في الغوطة .

• في الغوطة سقط وهم المعارضة السورية بكافة هيئاتها في جنيف وأستانا التي لم تحقق أي مكسب ميداني على الأرض سواء بفك الحصار عن بلدة او ادخال سلة اغاثية او اطلاق سراح معتقل او وقف القصف عن منطقة وتجلّت حقيقتها بأنها مجرد دمية في ايادي العابثين من الدول و التكتلات السياسية التي شيطنت الثوار و ادخلتها في نزاعات بينية واقتتال داخلي بين الفصائل مما ارهق الثورة واستنزف الثوار . والتي لم تكلّف نفسها عناء حتى مجرد التلويح بالانسحاب من المفاوضات في جنيف او أستانا للضغط على المجتمع الدولي للضغط على روسيا والنظام لوقف المجازر في الغوطة بل كانت تؤكد التزامها بها رغم رفض النظام واصراره وبكل وقاحة وتحدّي للعالم على الخيار العسكري .

• في الغوطة سقط وهم الوطنية وتجلّت حقيقة الأحقاد الطائفية والعرقية فعندما يفرح اهل دمشق بالمجازر التي يرتكبها المجرمين بحق اهل الغوطة وتخرج السيارات تجوب الشوارع احتفالا بذلك النصر المؤزر الذي كان على انقاض مدن الغوطة وتهجير اكثر من مئتي الف من أهلها و مقتل الالاف من أبنائها ونسائها واطفالها واحتلالها من قبل قوى اجنبية .

• في الغوطة سقط وهم وحدة الهدف والمصير وتجلّت حقيقة الانانية و المناطقية و الفصائلية بأقذر صورها ففي الغوطة تخلّت كافة المناطق السورية عن نصرتها وأشغلت الفصائل نفسها بإقتتال داخلي ليكون حجة في خذلانها و فصائل أخرى رهنت قرارها للخارج فتنازلت عن نخوتها وشرفها وثورتها .

• في الغوطة سقط وهم صداقة الشعب السوري و الاخوة العربية و الإسلامية و تجلُت حقيقة أن الثورات لا صديق لها في سوق المصالح الدولية و الكل يبيع ويشتري فيها في بورصة الخساسة والدياثة والسياسة .

• في الغوطة الحقيقة الوحيدة المتجلية أن من سقط هو الوهم و بقي جوهر الثورة و أنها لابدَّ منتصرة حتى لو وقف كل العالم ضدها ولو بعد حين لأنها ثورة حق .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: