بقلم المحامي السوري عبد الناصر العمر حوشان: شياطين أممية والمبادئ فوق “الدستورية”..

سوريا – السفير

بقلم: عبد الناصر العمر حوشان (محامي سوري)

• إن الشيطان يكمن في التفاصيل . إلا شياطين ديمستورا فتكمن في المبادئ فوق الدستورية
دخلت العملية السلمية في سورية مرحلة بالغه الخطورة، كان قد مهّد لها ستيفان ديمستورا المبعوث الأممي إلى سورية منذ فترة من الزمن،من خلال اختياره اللجان الاستشارية التي ضمها إلى فريقه الأممي على شكل تكتلات نسوية ومنصات مجتمع مدني، هي في حقيقتها تجمعات تغلب عليها الصبغة الطائفية وترتكز على شخصيات من الطوائف الدينيه والاثنيات العرقية من مسيحيين وعلويين ودروز واسماعيليه ، مطعمة ببعض الشخصيات المحسوبة على الأغلبية السنية من منتسبي الأحزاب اليسارية والتوجهات الفكرية العلمانية، والتي تظهر انتمائها لتوجهاتها السياسية والفكرية والحزبية أكثر من انتمائها الطائفي أو المذهبي .

• لقد قدمت هذه المجموعات العديد من أوراق العمل والدراسات عن طريق المبعوث الدولي، تتقاطع بجملتها في نقطة تعتبر عقدة نفسية عند الأقليات، و هي الشعور بالخوف من الأغلبية السنية، وطرح الحلول والرؤى لمستقبل سورية على أساس هذه القاعدة تحت عناوين حماية حقوق الاقليات و الديمقراطية و مبدإ المواطنة والحرية والعلمانية والفيدرالية واللامركزية وغيرها من المصطلحات.
وقد دفعت هذه اللجان الاستشارية المبعوث الدولي ديمستورا لتقديم اوراق العمل هذه إلى لجان المفاوضات في جنيف وفينا وغيرها من الاجتماعات المتعلقة بالعمليه السياسية في سورية على انها نصوص واجبة التطبيق لأنها تعبِّر عن الإرادة الدولية ورؤيتها للحل ومن الواجب احترامها والالتزام بها .

• و قد ثبُتَ أن هذه الأوراق و المشاريع عبارة عن أفخاخ وضعت لتعطيل عمليه الحل السلمي وإطالة امد المفاوضات، الذي يتسبب بنتائج كارثية يومية للسوريين في المدن المحاصرة والمناطق المحررة من خلال الزيادة في عمليات القتل والحصار والتدمير والتشريد والتهجير، والمماطلة في تنفيذ الاتفاقيات حول ملف المعتقلين ووقف اطلاق النار، وتهدف هذه اللجان من وراء ذلك الي خلق مناخ نفسي لدى الأكثرية السنية يدفعها للاستسلام والقبول بالمشاريع المطروحة .

كما ثبت ان هذه المشاريع تتقاطع مع توجهات النظام الحاكم وتصبّ في مصلحته ومحاولات إعادة إنتاجه لأنه الحامل الحقيقي لهذا التوجه فقد تلاقت رؤى (المعارضين ) من أبناء الأقليات مع رؤى الأقليات التي تحالفت مع النظام ضد الثورة مما شكّل قوة مضادة للثورة تعرقل مسار الحل السلمي , ومن مظاهر هذا التحالف توجه المعارضة المذكورة الى التركيز على مناقشة ما يسمى سلّة الدستور واعتبارها السلة الرئيسية في عملية الانتقال السلمي للسلطة وعدم البحث أو البتّ بمصير الأسد وزبانيته هو تجاوز فاضح لمقررات جنيف 1 والقرارات الدولية 2254 و 2118 التي تقضي بوجوب انشاء هيئة حكم انتقالية تتولى صلاحيات اعداد الدستور وقانون الانتخابات ،وان طرح موضوع الدستور قبل تشكيل هيئه حكم انتقالي هو بالحقيقة عملية التفاف من الامم المتحدة ، ممثلة بالمبعوث الخاص وفريقه الاستشاري على مخرجات جنيف 1 والقرارات الدولية المذكورة مما يكرس فرضية بقاء النظام بصيغته الحالية وإعادة الشرعية لبشار الأسد .

• وقد تمادى هؤلاء في أطروحاتهم للطائفية من خلال تقديم ورقه عمل اطلقوا عليها وثيقه مبادئ فوق دستورية ومطالبتهم الامم المتحدة اصدار قرار من مجلس الامن تحت الفصل السابع باعتماد هذه الوثيقة واعتبار المبادئ الواردة فيها قيم عليا فوق الدستور واجبة التطبيق .
و إن قبولهم بفكرة الإصلاح الدستوري كان يهدف لتمرير هذا المشروع الذي يعبِّر في حقيقته، عن قبولهم بالنظام الطائفي القائم وإغلاق الباب أمام الأغلبية السنية في الوصول للحكم من خلال الإصلاح الدستوري المقترح بالصيغة المذكورة في وثيقة المبادئ التي مهدّ لها ديمستورا في احاطته الأخيرة امام مجلس الامن و تلقفها من قبل الحكومة الروسية والدعوة لتبنيها من خلال مؤتمر سوتشي الذي اعتبرها من مخرجاته التي قبلتها الأمم المتحدة والدول الفاعلة في الملف السوري واعتبرتها جزءا من عملية الحل السلمي .

• ان المتتبع لمجريات العملية السلمية التي تقودها الامم المتحدة يلاحظ التوجه الطائفي من قبل الدول الفاعله في الملف السوري وانحيازها التام الى جانب الاقليات وفرض قيم اجتماعيه ومبادئ دستوريه و مشاريع قوانين غريبه عن قيم واعراف ومعتقدات الشعب السوري ومن هذه القيم و المبادئ :
– فرض العلمانية من خلال إلغاء فقرات دستوريه هي من ثوابت الفقه السياسي و القانون والدستوري و الاجتماعي والديني في سورية منذ نشأتها حتى اليوم و العمل علي الغاء فقرة الدين الرسمي للدولة و الغاء فقرة دين رئيس الجمهورية و الغاء فقره الفقه الإسلامي كمصدر رئيسيي للتشريع واستبداله بمنظومه شرعة حقوق الانسان الدولية واعتباره مجرد مصدر من المصادر التشريعية .

– كما يدعوا هؤلاء الى شطب كلمه ( العربية) من الدستور ظناً منهم ان هذا يضمن حقوق الاقليات العرقية والاثنية في سورية
– فرض نظام حكم فدرالي على السوريين و تقسيم سوريا الى اقاليم تتمتع بحكم الذاتي وتشكيل حكومات اقليميه مستقله عن الحكومة المركزية مما يفتح الباب امام ذوي النزعات الانفصالية الى فرض تقسيم البلاد على اسس اثنيه وعرقيه غير متجانسه ومضطربة مما سيدخلها في نزاعات بينية مسلحة تهدد وحدة البلاد واستقرار ومصير الشعب السوري .

– تشريع قوانين وضعيه و اسباغ الصفة الالزامية لها عن طريق الدعوة لتبنيها من قبل مجلس الامن بقرارات أممية تحت الفصل السابع مثل قانون الزواج المدني و قانون يفرض المساواة بين الجنسين وغيرها من القوانين التي تمسُّ معتقدات وشرائع السوريين على اختلا ف عقائدهم . فقانون الزواج المدني يؤدي الى إشكالات عقائدية تتعلق بالأحوال الشخصية للسوريين على اختلاف عقائدهم لجهة تحريم الزواج عند اختلاف الدين ومنع التوارث بين الزوجين او الاولاد او الاباء و الامهات وضياع الانساب في غياب الشرعية الدينية لهذه التصرفات وغيرها من القضايا التي ستؤدي الى تفكيك المجتمع اخلاقيا و عقائديا .

– وان الدعوة للمساواة بين الجنسين هي كلمه حق يراد بها باطل إذ أ ن إطلاق مبدإ المساواة بين الجنسين بدون ضوابط شرعيه تتعلق بمسائل عقائديه لدى اتباع الديانات السماويه لجهة الحقوق الإرثية وفرائضها التي تعتبر في الاسلام فرضاً الهيا لا يجوز العبث فيه لا تحويرا ولا تبديلا ولا تغييرا .

• النتيجه : إن الاسلام و العروبه هما الوجه التاريخي لسورية وهما يعبران عن الهويه السورية و أن التعدد العرقي والطائفي و الديني هو جزء من تركيبة هذا المجتمع مستمد من العمق التاريخي لهذا البلد و إن توازن هذا التنوع واستمراه بشكله الجميل مرهون بعدم المساس بالركائز التي بني عليها وهي معروفة للجميع و إن أي محاولة للعبث بها من قبل أي فريق او مجموعه او دوله أو الغاء هذه الهوية تحت أي ظرف او حجة او ذريعة يعتبر تدخلا سافرا في الشأن السوري وتعدٍّ واضح على حقوق الشعب السوري ومحاولة لتغيير الهوية السورية بالقوة .

و حيث أن التوجه الذي يسير عليه المبعوث الاممي ومن خلفه الدول الفاعله في الملف السوري يصبُّ في هذا الاتجاه مما يعتبر تدخلا غير قانونيي و انتهاكا صارخا للقانون الدولي يفقد الامم المتحدة مصداقيتها و حياديتها بانحيازها التام لصالح الاقليات في سورية وفرض قيم ومبادئ فوق الدستور تسلب حقوق الاكثرية وتعطيها للأقليات كامتيازات أممية ضاربه عرض الحائط القيم الديمقراطية التي تنادي بها , و سلب حق الشعب السوري في تقرير مصيره واختيار شكل الحكم و نظامه و كتابة دستوره و سنّ القوانين ، على قاعده الشراكة في الوطن والمساواة و المواطنة و إن نظام الامتيازات فوق الدستورية تعبر تعدٍّ علي حقوق الغير و تتناقض كليّاً مع مبدا المواطنة وانتهاكا صارخا لقواعد العدالة و المساواة كما يعد ذلك شكلاً من اشكال الوصاية الدولية على الشعب السوري وفرض دستور وقوانين اشبه ما تكون دستور وقوانين دول الانتداب و الاستعمار ودستور بريمر في العراق ودستور الطائف في لبنان والذي ثبت عدم صلاحيتهما لتحقيق العدالة والاستقرار للشعوب بل كانت وسائل لاستمرار الفوضى و الاقتتال الطائفي .

إن الإصرار على هذا التوجه يعطي الحق للشعب السوري في مقاومته واسقاطه بكل الوسائل المتاحة و هو حق مشروع تكفله له كل الشرائع السماويه و القوانين الوضعية وندعو احرار الشعب السوري على مقاومته واسقاطه .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: