بقلم إبراهيم كالن: الأزمة القطرية.. والأتراك والعرب

السفير – وكالات

في أسبوعها الثالث، لا تزال الأزمة القطرية مستمرة على نفس الوتيرة. فلم تنجح المحاولات بوقف تداعياتها من حملات تشويه واستعراض سياسي وتأثيرات اقتصادية وجيوسياسية. فالأزمة أظهرت الطبيعة الهشة للنظام الإقليمي في الخليج، وعلاقات الخليج المتأرجحة مع أوروبا والولايات المتحدة.

وبطبيعة الحال ترفض قطر الاتهامات الموجهة إليها بدعم الإرهاب، وتطالب بأدلة ملموسة عليها، وذلك كأي دولة تتعرض لاتهامات جدية من هذا النوع. المسؤولون القطريون يأخذون المسألة على قدر عالٍ من الجدية، لكنهم لم يستلموا بعد أي أدلة على الاتهامات الموجهة إليهم بالتعامل مع منظمات إرهابية سواء في الخليج أو سوريا أو غيرها. وتقول قطر إن الحصار المفروض عليها ظالم ويخالف الأعراف الدولية، وينتهك مبادئ الصداقة والأخوة بين مكونات الأمة المسلمة.

وهو موقف معقول، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدم تقديم أي دليل على اتهامات دعم الإرهاب. فالإجراءات المتخذة ضد قطر مبالغ فيها ولا تساهم في حل الأزمة. وقطر تقول إنها لن تدخل أي محادثات قبل رفع الحصار عنها. لذا يتوقع من السعودية والإمارات الاستجابة لهذا النداء ورفع الحصار عن قطر لبدء المفاوضات والحوار. تجدر الإشارة إلى أن الأمير الكويتي لعب دوراً مهماً في خفض التوتر، ولا بد من دعم المبادرة التي قام بها. وتركيا مستعدة لذلك.

ومنذ بداية الأزمة، أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العديد من الاتصالات الهاتفية مع قيادات إقليمية لخفض التوتر والتوصل إلى حل سلمي للأزمة. وقدمت تركيا الغذاء في وقفة إنسانية لتجنيب المواطنين القطريين تداعيات الحصار. وفي الوقت ذاته، صدق البرلمان التركي على اتفاقية لإنشاء قاعدة عسكرية في قطر، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار، ليس في قطر وحدها وإنما منطقة الخليج بشكل عام. ولطالما أكد أردوغان أن على عاتق خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبد العزيز دور كبير يلعبه لحل الأزمة، بصفته قائد أقوى دولة خليجية. وبموقفها هذا، فإن تركيا لا تسعى للتدخل في الشأن الداخلي لأي دولة. وعلى الرغم من الدعاية التي تهدف إلى استغلال الأزمة لضرب العلاقات التركية العربية، فإن كل ما تريده تركيا هو الوصول إلى حل آمن للأزمة.

ما نحتاج إليه الآن هو حراك جماعي تعاوني بروح الوحدة والأخوة، في الوقت الذي تواصل فيه الأزمة السورية إفراز نتائجها السياسية والإنسانية المأساوية، ويتصاعد فيه التوتر ويتجاوز فيه الإرهاب مفهوم الحدود السياسية. على الأطراف جميعها العمل باتجاه هذا الهدف وتجنب الخلافات والدوافع الخفية.

لكن لا بد من توضيح أن الأزمة الحالية ليست متعلقة باتهامات الإرهاب فحسب. بل تتعلق أيضاً بالنظرة إلى حركات الإسلام السياسي؛ الإخوان المسلمون وحماس على سبيل المثال. فالإخوان المسلمون رفضوا العنف والإرهاب منذ فترة طويلة، ونأوا بأنفسهم عن أي جماعة تلجأ إلى العنف، حتى تلك التي كانت بينهم وبينها صلات في الماضي. وفي مصر، التي شهدت انقلاباً عسكرياً طاحناً أسقط رئاسة محمد مرسي، لم يلجأ الإخوان إلى العنف أمام الانقلاب، بينما ذهب الآلاف من عناصر الإخوان ما بين قتيل وسجين، ولا يزال زعيم الحركة سجيناً منذ أربعة أعوام. ومع كل هذا، لم يلجأ الإخوان إلى توظيف العنف وسيلة لخدمة أهدافهم السياسية. ومحاولة دفع الإخوان المسلمين إلى العالم السفلي لن يخدم سوى جماعات الإرهاب والعنف.

أما بالنسبة إلى حماس، فإن الجميع في العالم العربي يرى أنها جزء من حركة النضال الفلسطيني من أجل الاستقلال. واتهام حماس بالإرهاب الآن –إن كان هناك أي نية لذلك- ليس له أي مبرر. فحماس جزء من الشعب الفلسطيني وحركته لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. كما أن استضافة قطر للمكتب السياسي لحركة حماس ليس لها علاقة بدعم الإرهاب، خاصة أن نقل المكتب السياسي من دمشق إلى قطر كان بالتنسيق مع جميع اللاعبين الرئيسيين في المنطقة.

ومع هذه التطورات، فإن البعض يسعى إلى الانتفاع من هذه الأزمة لزرع بذور الفتنة بين العرب والأتراك. هذه لعبة قديمة يجب على الجميع رفضها. فالادعاء القديم بأن العرب طعنوا الدولة العثمانية في ظهرها فرّق العرب والأتراك لعقود. وبالمثل، كان الاعتقاد بأن الأتراك أداروا ظهرهم للعالم العربي والإسلامي مع نشأة الجمهورية التركية، حرّك لدى العرب مخاوف من العلاقات مع تركيا.

لكن هذه الرواية عن الخيانة المتبادلة تم تفنيدها خلال رئاسة رجب طيب أردوغان. فالعرب والأتراك إخوة وأصدقاء وحلفاء، وجيران وشركاء، ويجب عليهم العمل معاً لمستقبل أفضل للعالم العربي والإسلامي. ويجب أن لا تقود اختلافات الآراء إلى حلقات مفرغة من اللوم وانعدام الثقة والتشهير. من يحاولون الإيقاع بين العرب والأتراك لا يخدمون سوى نواياهم المريضة. الحروب الإعلامية لن تخدم أحداً. ويجب علينا الوقوف صفاً واحداً ضد أي محاولات لإهدار قوانا السياسية والفكرية في حروب بالوكالة ونزاعات استنزافية. بل يجب تركيز القوى من أجل خلق فرص للربح المتبادل.

دايلي صباح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: