بعد أن نفخ فيه الإعلام مجدّدا: وثائق رسمية من وزارة الداخليّة تؤكّد اختلاق ظاهرة “جهاد النكاح” ووقوف جهات خارجيّة وراءها؟

تونس – السفير – ظافر بالطيبي

تونس في 23 سبتمبر 2013، وزارة الداخليّة، الإدارة العامة للأمن الوطني، الإدارة العامة للأمن العمومي.. الموضوع “بشأن ظاهرة ما يُسمّى بـجهاد النكاح”…
هكذا كان افتتاح تقرير إرشادي لوزير الداخليّة السيّد لطفي بن جدّو حول موضوع كان ولايزال مثيرا للجدل والسجال بل وللسخرية والتهكّم أيضا، بعدما شنّت أطراف مختلفة إعلاميّة وسياسيّة بالأساس تونسيّة وعربيّة حملة شرسة ضدّ نساء وشّابات تونسيّات من المسافرات لسوريا والعائدات منها والمقيمات فيها على حد سواء، بحجّة اشتراكهنّ فيما سُمّي بـ”جهاد النكاح” في الحرب القائمة ضدّ النظام الأسدي هناك.
الغريب أنّه من يسمع تصريحات الإعلام التونسي بالخصوص وبعض السياسيين والأمنيين وعلى رأسهم حينها وزير الداخليّة السابق لطفي بن جدّو، يظّن فعلا أنّ ما يتحدثون عنه هو حقيقة لا جدال فيها ولا لبس، بينما حسب التقرير اليتيم الذي تم رفعه لوزير الداخلية والذي تمّ إقناعه به على أنّ الظاهرة موجودة فعلا، يتبيّن العكس تماما، حيث يُثبت التقرير أنّ الغالبية العظمى من الحالات المتهمة والمشكوك فيها لا علاقة لها بهذا المفهوم والمصطلح الجديد الذي يبدو أنه صُنع خصّيصا لحر ب نفسيّة إعلاميّة للتأثير في الرأي العام وتشويه بعض التيّارات والحركات الإسلاميّة والثوريّة التي وقفت مع الثورة ضدّ نظام بشار الدكتاتوري، كما ذكرت ذلك بعض التقارير الصحفية الدوليّة والعربية والتي اتهمت المخابرات الحربيّة السورية بالوقوف وراء هذه “البدعة” الجديدة في الحروب والمعارك التي شارك فيها “ثوّار” و”مجاهدون” باسم حركات وتيّارات إسلاميّة جهاديّة مختلفة.

6

2

لن نطيل في توصيف التقرير الذي استند إليه وزير الداخلية لطفي بن جدّو وبعض المتحدثين الرسميين أوغير الرسميين باسم الوزارة ( على غرار تصريحات لفرونس براس مثلا) ليُثبتوا للرأي العام التونسي والعربي والعالمي في فضيحة غير مسبوقة أنّ هناك تونسيّات شاركن في مثل تلك الممارسات المُشينة والتي لا يقبل بها غير المذهب الشيعي فيما يُسمّى بزواج المتعة المعروف، وذلك دون الاستناد إلى تقارير استعلاميّة دقيقة ومُثبتة لا غبار عليها لاسيما في مثل هذا الموضوع الدقيق..
وسنحاول عبر مقتطفات من التقرير تحصلنا عليها من مصادر خاصة مدى سذاجة القائمين عليه وعدم حرفيتهم أو تعمّدهم إيقاع وزير الداخليّة السابق في فخّ تصديق هذه الرواية لعدّة اعتبارات قد تكون ذات أجندات دوليّة أو عربية وهو مما لا شكّ فيه خطر جسيم ينخر المؤسسة الأمنية التي تُعتبر صمّام أمان الدولة واستمراريتها الطبيعيّة.

تأكيد التهم والحُكم على النوايا.. بصيغ التمريض والتجهيل
يتبيّن من خلال التقرير الإنشائي الإرشادي التابع لإدارة الأمن العمومي أنّ هناك ربط غير منطقي ومُسقط بين عدّة أحداث وشخوص في بلادنا وخاصة بعض الفتياة المنقّبات وظاهرة ما يُسمى “جهاد النكاح”. حيث عمد التقرير كما تبيّن ذلك بعض المقتطفات المصوّرة إلى الزّج بلفظ “جهاد النكاح” والذي كان صنيعة إعلاميّة بالأساس ولم يكن نتيجة تقارير استخبارية بداية، وذلك دون أدلّة أو روابط متينة بينها. على غرار الزّج بأسماء زوجات بعض المتهمين بالإرهاب في عمليات جبل الشعانبي في التقرير مع تقديم بعض المعلومات الإرشاديّة العاديّة حولهنّ ثم الرمي بعدها بجمل وألفاظ من قبيل “في إطار ما يُسمى جهاد النكاح” أو “ودعوتهنّ للقيام بجهاد النكاح” أو “توفرت معلومات حول” أو “قامتا بتموين العناصر الإرهابيّة بجبل الشعانبي وكذلك بجهاد النكاح” أو مثل “كما تردد في أوساط بعض متساكني الحي المذكور سعي العُنصران المتشددان المُشار إليهما لاستقطاب المعنيّة لجهاد النكاح”؟؟ وكثير من مثل هذه الصيغ التي تُسمى في اللغة العربيّة صيغا مَرَضيّة أي بمعنى مبنية للمجهول وغير معلومة.. فكيف لتقرير استعلاماتي يُرفع لوزير الداخلية بشأن موضوع خطير وحسّاس كالذي نتحدث عنه يمسّ من قيمة وكرامة المرأة التونسيّة مهما كان فكرها ومعتقدها، يُكتب بصيغ مبنية للمجهول ثمّ كيف يقع تصديقها بل والتصريح بها وتأكيد من ابتدعها لغاية في نفس مُخابرات وأجندات دوليّة؟؟

كما يُلاحظ في التقرير أنّ الخطير فيه قيامه على ربط اللفظ المذكور فقط بالمنقّبات دون سواهنّ وهو ما يطرح عدّة نقاط استفهام؟ حتى أنّ بعض الجمل وردت عند الحديث عن إحدى المنقبات على الشكل التالي “بعد أن راجت في شأنهما معلومات (المرأة وزوجها) تُفيد اعتزامهما التحوّل إلى ليبيا ومنها إلى سوريا للمُشاركة فيما يُسمى بـ”جهاد النكاح”.. فهل يكون سفر المرأة المنقبة مع زوجها “جهاد نكاح”؟؟ خاصة عندما تكون المعلومة التي وصف بها الزوجان وتم التعرف بها عن نواياهما من قبيل “بعد أن راجت في شأنهما معلومات”؟؟
كما أصبح الزواج المتعارف عليه حسب التقرير “جهاد نكاح” بمجرّد أن يكون الخاطب سلفيّا متشدّدا حسب التقرير والفتاة منتقبة كما الحال في شأن حالة المنقّبة (ص ق) التي عرض عليها أحدهم الزواج على ما يبدو قبل تحوّله إلى جبل الشعانبي “في إطار ما يُعرف بجهاد النكاح”؟؟ فهل عرض الزواج من طرف أحد السلفيين المتشددين حسب التقرير على إحداهنّ قبل صعوده إلى الشعانبي يُعدّ “جهاد نكاح” في هذا التقرير الذي كما يبدو ظاهرا احتوى على اسقاطات وسقطات كثيرة مشكوك في نواياها وخلفياتها هل هي من باب السهو أو التسرّع أم هي من باب “الفوتوشوب اللغوي” أي التلفيق في الصياغة وتركيب جمل ومعلومات غير متناسقة لإثبات ما لا يمكن إثباته تعسفيّا؟؟

المجتمع المدني والإعلام… حسب التقرير “الحدث”
من بين مكوّنات التقرير الذي توفر لدينا في إطار عملنا الصحفي القائم على إنارة الرأي العام التونسي وإظهار الحقائق كما هي، جزء خاص بردود أفعال المجتمع المدني والجمعيّات وعدد من وسائل الإعلام المحليّة والأجنبيّة..؟ وهذا يعدّ من غرائب وعجائب هذا التقرير الهام الذي من المفترض أن يكون لأصحابه السبق في معرفة كل التفاصيل وفي غنى عن توصيف ردود أفعال من هنا وهناك، قائمة أساسا على عملية انتقائيّة لا تخفى على بسطاء الناس وعوامهم فكيف بنخبهم ووزرائهم.. حيث أورد التقرير تنديد بعض هذه الأطراف بظاهرة “جهاد النكاح” من الجمعيات على غرار “جمعية النساء الديمقراطيات، والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان” ومن وسائل الإعلام “التونسية والفرنسية واللبنانية والجزائريّة”؟؟ بل وحتى الصحافة الإسرائيليّة وهو ما يعني ضمنيا اعترافا صريحا بهذه الدولة الصهيونية التي قد تكون لها يد في الترويج لهذه التشويهات الخطيرة التي تمس من شرف وكرامة المسلمين؟؟

ولعلّ أبسط قراءة في هذه الفقرات المقتضبة يُستشفّ منها محاولة أصحاب التقرير إقناع من رُفع إليه بالظاهرة والضغط عليه من أجل تصديقها وان كانت من باب “المعلوم من الكذب بالضرورة”. كما أنّ تخصيص بعض أسماء الجمعيات وجعلها نموذجا للمجتمع المدني وكأنها ممثلته الرسميّة، وكذلك بعض وسائل الإعلام ومنها الصهيونية، يُفهم منه عديد الأشياء منها ماهو ميل أو انتماء أو ولاء فكري أو سياسي معيّن ومنها ما قد يصل لدرجة الارتباط الخارجي ببعض الوسائل الإعلامية المذكورة أو التأثر بها لحد جعلها شاهدا في تقرير إرشادي ضعيف وهزيل من المفترض أن لا تكون فيه مثل هذه الشواهد والشوائب التي لا ترقى بمستوى الأمن التونسي لما بعد الثورة وخاصة في ظلّ التحديات الكبرى والدقيقة الحالية..

وهو ما يثير في نفوسنا عديد الأسئلة عن مستوى هذا التقرير والغاية الفعلية منه خاصة بعد أن كانت تشير كل المعطيات أن الزوبعة الإعلامية التي أثيرت في تلك الفترة ليست إلا رواية ضعيفة وصعبة التصديق لاسيما بعد التأكّد من تزييف عدة فتاوى وما قيل أنها شهادات في الموضوع؟؟
كما أشار التقرير بصياغة مغلوطة أيضا إلى ردة فعل وزارة الشؤون الدينيّة وكأن الوزير قد أكّد القصّة وحذر من مغبة وقوع التونسيات في هذا “الجهاد” الحرام بينما تفيد تصريحات الوزارة وممثليها أنّه لا وجود في الدين لمثل هذه الممارسات خاصة في المذهب السني.

تناقضات التقرير.. تبوح بالحقيقة
كما بيّنا سابقا وكما يظهر في بعض المقتطفات المصورة والمُرفقة بالمقال فإنّ التقرير قد ناقض نفسه بنفسه خلال زجّه غصبا عددا من أسماء بعض المنتقبات لاسيما من منطقة القصرين التي تعتبر منطقة محافظة ومتوترة، وبناء عبارات الإقرار بوجود الظاهرة بصيغ مرضية مبنية للمجهول، وأيضا من خلال إردافه بوثائق ومؤيّدات تبدو أنها من إدارات أخرى كإدارة الحدود حيث يتبيّن هويات عدد من النساء التونسيات المنتقبات والملاحظات الأمنية فيهنّ مع تحركاتهنّ الحدوديّة والإجراءات المتّخذة. حيث تشير هذه الوثائق إلى خروج بعضهن مع أزواجهن أو مع أخريات لغايات أخرى إلى دول مثل ليبيا أو تركيا أو مصر وغيرها ولا وجود في كل الملاحظات لمصطلح “جهاد النكاح”.

3

5

إلاّ أنّ المؤيّدات أكّدت وجود زوجات قد رافقن أزواجهنّ للجهاد أو حاولن اللحاق بهم بعد خروجهم إلى سوريا للقتال ضد النظام أو الذهاب لغايات اجتماعية اسعافية على سبيل المثال، ولم تتحدث عن مسمى “جهاد النكاح” في حقّهن. فيما عدى حالة واحدة لم توصف صاحبتها بأنها من تيار ديني سلفي أو غيره قيل أنها اعترفت بمواقعتها من قبل ثلاثة عناصر من “جبهة النصرة”؟؟ بينما لم تعترف أي من الحالات التي عادت إلى البلاد وتم استجوابها بهذه التهمة المصطنعة على ما يبدو على المقاس لتبييض النظام السوري وحلفائه.
ويُشار إلى أنّ أغلب الحالات المحالة في التقارير المرفقة قد غادرت البلاد نحو دول أخرى لغايات عديدة وليس فقط للتحول إلى سوريا والجهاد فيها ضدّ نظام الأسد. وكان ذلك تقريبا في بدايات وأواسط السنة الفارطة قبل أن يتم اتخاذ إجراء الاستشارات الحدوديّة في حقهنّ وأزواجهم. بل وعديد المشتبه بهم وهو ما أدّى إلى تزايد عدد الحالات الممنوعة من السفر دون أذون قضائيّة بالجملة لمجرد الشبهة أو الحكم على النوايا أو الأخذ بجريرة الغير.
كما تمّ إرفاق التقرير المكتوب بمؤيّدات ضمت معطيات تحرّت فيها الإدارة مع أربع حالات ثلاث بعد عودتهن إلى تونس وأخرى تبيّن أنها لم تغادر البلاد بتاتا. وأثبتت التحريات أنه لا وجود لما يُسمى جهاد نكاح في الغرض كما أراد التقرير الأساسي الإيهام به للأطراف المرفوعة إليه. ويبقى الغريب في الأمر هو كيفية إقتناع وزير الداخلية والقاضي السابق السيد لطفي بن جدّو بهذا التقرير وتسليمه بوجود الظاهرة. فهل وقعت مغالطته في الأمر حتى وصل به الأمر إلى الحديث عن الموضوع بأسلوب مبتذل أمام أعلى سلطة في البلاد وهو المجلس الوطني التأسيسي؟؟ ومن الجهة التي تقف وراء هذه الحرب المعنوية والتي وصلت حدّ التأير على الدوائر الأمنية للأمن العومي لرفع تقارير بمثل هذا الضعف رضوخا لحملات إعلامية شرسة سبقت التقرير في حد ذاته..؟

4

7

1

أين أنتم من شبكات الدعارة والتحرش الجنسي اليومي بالتونسيات؟
والغريب في الأمر والذي يزيد من الشكوك في نوايا وغايات الذين قاموا بتهويل وترويج مثل تلك الإشاعات هو عدم تعاملها بنفس الطريقة مع قضايا أخرى شبيهة مثبة بالأدلة والاعترافات بما لا يدع مجالا للشكّ على غرار شبكات الدعارة التي تعمل على تسفير بنات تونس واستغلال طلبهن للشغل وفقرهن للاتجار بأجسادهنّ في لبنان والإمارات ودول أخرى عديدة . لماذا لا تُشنّ حملة على هذه الظاهرة التي تسيء أيضا أيما إساءة للمرأة التونسيّة ولبلدها في الخارج؟ أم أنّ الإعلام التونسي واللبناني والفرنسي والجزائري والصهيوني إلى جانب جمعيّة النساء الديمقراطيات والرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان لم تتفرّغ بعد للموضوع؟؟ أو لأنّ المسألة تتجاوز مجرد العمل الإعلامي البسيط أو التحريات الأمنية العادية إلى اللعب في ميادين الأجندات والتجاذبات والمخابرات الدولية التي لا حيلة لنا معها ولا حول مادامت سلطاتنا وحكوماتنا تتعامل مع مثل هذه القضايا بمنطق “عمشة في دار العميان”..
وأين السلطات الأمنية من حالات التحرش الجنسي اليومي بالتونسيات في وسائل النقل ومقرات العمل في الإدارات والوزارات والسفارات؟ وأين التقارير الأمنية بخصوص تجارة الجنس وأوكار الدعارة التي تسيطر عليها لوبيات نافذة وتتعامل مع شخصيات أجنبيّة تعرض أجساد بنات تونس للبيع بالجملة والتقسيط وبعلم الجميع؟
إنّ النفخ في هذه الظاهرة مجددا والتي كذّبتها لاحقا عديد المنظمات الدولية ووكالات الأنباء والتقارير الإعلامية الأجنبيّة ، يعيد طرح عديد نقاط الاستفهام خاصة بعد أن أعادت بعض وسائل الإعلام في مقالات سخيفة عن مصادر تقول أنها أمنية الحديث نهاية شهر فيفري الماضي عن “جهاد النكاح” ثم يطّل علينا أحد المقدمين لبرامج “الفضائح الاجتماعية” في فليم مفضوح عن إحدى “المنقبات” التي ادّعت أنّ هناك من يعرض عليها باستمرار الذهاب لسوريا من أجل “جهاد النكاح” وعرض عليها مبلغ 50 ألف دينار؟؟ ثم نزعت النقاب بعد ذلك أمام كاميرا التلفزة في لقطات سخيفة ومفضوحة شكك فيها وتحدث عن “فبركتها” عديد المتابعين والإعلاميين والمدوّنين..؟؟ ألا تُعتبر مثل هذه الأعمال صبا للزيت على النار في فترة تمر بها البلاد بتحديات أمنية كبيرة وصعبة في ظل تهديدات إرهابيّة غامضة يبدو أنها ذات صبغة عالمية ودوليّة تجاوز مجرد التنظيمات “الجهاديّة” التقليديّة؟؟ وأين تحرك النيابة العموميّة من كلّ هذه المهازل التي تقع في البلاد وعلى منابر إعلاميّة عديدة لا تزيد إلا من شرخ المجتمع وتقسيم التونسيين وتوليد الحقد والكراهية ومشاعر التشكيك وقلّة الثقة بين مختلف مكوّنات المجتمع التونسي في سياق وطني حاليا تحفّه عديد المخاطر والتجاذبات.. فمن يضع حدا للمهزلة لأن زمن استغباء التونسيين قد ولّى وفات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: