بسبب القس الجاسوس: فصل جديد من الدبلوماسية التركية الأمريكية !

تونس – السفير – ظافر بالطيبي

يبدو أن السياسة الخارجية الصبيانية للإدارة الأمريكية مازالت متواصلة منذ وصول الرئيس “المجنون” والمثير للجدل دونالد ترمب إلى سدّة الحكم قبل سنوات، وبطرق مازالت قيد التحقيق الفدرالي إلى الآن بسبب تدخل دول أخرى بصفة غير مباشرة في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، منها روسيا وبعض دول الخليج وتحديدا السعودية والإمارات.

ويبدو أن آخر فصول هذه السياسة الخارجية المتصابية والمراهقة هي التهديدات الأمريكية الأخيرة لتركيا بسبب القس الأمريكي الإنجيلي أندرو برونسون الذي كانت تحتجزه أنقرة منذ 2016 بتهمة التخابر مع منظمتين إرهابيتين خطيرتين هما حزب العمال الكردستاني (والذي تصنفه أمريكا ذاتها تنظيما إرهابيا إلى جانب تركيا والاتحاد الأوروبي) ومنظمة فتح الله كولن “فيتو” المتهمة بصفة مباشرة في تدبير المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو – جويلية 2016. وذلك قبل أن تطلقه تركيا قبل أيام وتضعه قيد الإقامة الجبرية بسبب تواصل التحقيقات في قضيته .

ففي الوقت الذي كانت فيه أنقرة بصدد انتظار خطوات جديدة إيجابية من قبل الإدارة الأمريكية لتحسين الأجواء والعلاقات الدبلوماسية بين البلدية، إذ بنائب الرئيس الأمريكي مايك بينس يطلق الأسبوع الماضي تصريحات غير محسوبة العواقب على ما يبدو بشأن تسليط عقوبات كبيرة على تركيا بسبب تواصل احتجاز القس الإنجيلي برونسون قيد الإقامة الجبرية وعدم إطلاق سراحه بالكلية. وهي تصريحات وبرغم طابعها الطفولي والغبي والتي كانت على ما يبدو فقط لكسب نقاط شعبوية جديدة لإدارة الرئيس الأمريكي ترمب المتهاوية، لاسيما أمام شريحة الإنجيليين الذين يمثلون سندا مهما وقويا لترمب وسياساته المتعصبة ضد المسلمين وخاصة القضية الفلسطينية والقدس.

وفي الوقت الذي كان من المفترض ان يلطف الرئيس الأمريكي المعتوه ترمب من تصريحات نائبة غير المسؤولة وغير المدروسة، إذ به يواصل نفس السياق من أجل خلق أزمة جديدة مع تركيا هروبا على ما يبدو من تزايد الانتقادات الداخلية ضده. وهو ما يعني ان كل جهود التعاون وتذليل الخلافات بين الجانبين التي بذلها وزيرا خارجية البلدية على مدى الفترة الماضية، قام ترمب ونائبه بنسفها عبر تصريحات إعالمية وتدوينات على موقع تويتر لا يمكن وصفها بغير الطفولية والساذجة.

فتركيا ليست إحدى دول الخليج مثلا كي تقلق كثيرا من تصريحات شعبوية غير مسؤولة ولا مدروسة لرئيس مثير للجدل عُرف عنه كثيرا تراجعه عن تصريحاته المتسرعة والصبيانية في عديد المرات لاسيما إزاء ملفات وقضايا خارجية. فهو لا يفقه كثيرا ولا نائبه في السياسات الخارجية ولا العلاقات الدبلوماسية لذلك يبدو أنهما قد أتقنا جيدا فنون نسف الجهود الدبلوماسية وخلق الأزمات في العلاقات الخارجية مع عدة دول صديقة منها تركيا. وذلك رغم تقارب الجهود في حلحلة أزمة منبج السورية وتطور سبل التعاون بتسيير دوريات مشتركة بين الجانبين التركي والأمريكي على تخوم المدينة لضمان خلوها من نشاطات المنظمات الإرهابية كحزب العمال الكردستاني PKK وحزب الاتحاد الديمقراطيPYD ووحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية.. وهو ما ساهم في تحقيق نسبة مهمة من الأمن في المنطقة وتحقيق فرص تعاون جديدة بين الطرفين في مكافحة الإرهاب وضمان الاستقرار بالشمال السوري المتوتر.

ورغم كل ذلك، ورغم خطوة انقرة بإطلاق سراح القس الإنجيلي المتهم بالجوسسة والتخابر مع منظمات إرهابية، إلا ان الرئيس الأمريكي ونائبه مازالا يؤمنان كثيرا بالشعبوية كحل من الحلول لتحديد ملامح العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى. ولعل ترمب تناسى هذه المرة أن تركيا ليست تلك الدولة التي تقبل التجريح او الإهانة بل هي تعامل بالمثل وترد الخطوة بمثلها وهو ما قامت به فعلا بعد أن أعلنت أمريكا عقوبات اقتصادية على وزيرين تركيين هما وزير العدل عبد الحميد غول ووزير الداخلية سليمان سويو، فأعلن الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان هو الآخر ،قبل يومين، تجميد كل أموال وأرصدة وممتلكات وزيري الدفاع والداخلية الأمريكيين بتركيا.

وبغض الطرف عن مستوى التوتر والتطورات الجديدة على العلاقة بين الطرفين إلاّ أن العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا لا يمكن أن تتأثر كثيرا بمثل هذه الخطوات الشعبوية واللامسؤولة، من قبل ترمب أو بعض مساعديه المتطرفين سياسيا أو دينيا، فقد أظهرت تركيا من قبل حكمة وتعقلا كبيرا في معالجتها لأزماتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016 والتي تورط فيها الرجل الخطير المقيم في الولايات الأمريكية المتحدة وتحديدا في بنسلفانيا فتح الله كولن ورفضت أمريكا تسليمه لأنقرة رغم تقديم كافة الأدلة التي تدينه وتدين منظمته الإرهابية الخطيرة. وكذلك بعد دعم أمريكا لأذرع حزب العمال الكردستاني بسوريا وهي حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردية التي تحلم بتأسيس كيان كردي بالشمال السوري وعلى تخوم تركيا مما يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي التركي ما دفع أنقرة إلى القيام بعمليتين عسكريتين على التراب السوري هما درع الفرات وغصن الزيتون، دون الوقوع في أزمة حقيقية مع “الحليف الاستراتيجي” المفترض في مكافحة الإرهاب العالمي، الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي جميع الحالات وباعتبار كل السيناريوات، يبدو أن تركيا عاقدة العزم على التعامل بالمثل مع كل سلوكيات الإدارة الامريكية المتقلبة في المنطقة، وتمرير رسائل واضحة بأن تركيا ليست من بين تلك الدول التي تقبل الإهانات والتهديد دون الرد بالمثل. فتركيا ما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، ليست هي ذاتها تركيا ما قبل الانقلاب وما قبل الانتخابات الرئاسية والستور الجديد. مع أن ما يمكن أن يجمع البلدين من تعاون في المنطقة أقوى بكثير من أن تعبث به بعض التصريحات “الانتخابية” والشعبوية وان كانت من الرئيس الأمريكي ذاته أو نائبه بينس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: