النموذج التونسي: شيخان.. ثالثهما “الشيطان” !

تونس – السفير – ظافر بالطيبي

لاشكّ أن التجربة التونسية الناشئة في الحكم منذ الثورة وخاصة بعد 2014 كانت من اهم التجارب التي يشهدها العالم العربي اليوم لاسيما في ظل الأوضاع الراهنة وفي بلدان ما سميّ “الربيع العربي”. فلأول مرة في تونس تشهد الساحة السياسية تحالفا حقيقيا بين حزبين كبيرين أحدهما ليبرالي علماني والآخر إسلامي.
وإن كان هذا التحالف “النموذجي” لم يخل من هزّات وأخطاء تخلص على إثرها قائدا هذا التحالف الأستاذين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي من بعض “الأجنحة الراديكالية المتكسرة” وذلك بإبعاد عدد من الوجوه والقيادات المعروفة بالحقد الإيديولوجي أو التعصّب أو الميل نحو العمل الإسلامي الدعوي بالنسبة لحركة النهضة.

إلا أنه ورغم تماسك هذا التحالف الذي سمّي بالتوافق الوطني من أجل مصلحة البلاد لم يكن في أحسن حالاته منذ الانتخابات الجزئية الأخيرة بألمانيا، حيث بدأت الهوة تتوسع بين الحزبين في ظل ما قيل عن دعم قواعد النهضة للمرشح ياسين العياري الذي افتك أحد كراسي النداء إثر تحوير وزاري جزئي.
ورغم أن الأمور ظلت بين المدّ والجزر ارتباطا بالظروف العامة للبلاد وارتهانا لبعض المتغيرات المحلية والدولية لاسيما في ظل وجود تدخلات أجنبية في الشأن الداخلي تستهدف بعض الأطراف السياسية وتدعم أخرى.

ورغم أن حركة النهضة كانت الأكثر تنازلا إزاء عدد من الملفات منها الحقائب الوزارية منذ حكومة السيد الحبيب الصيد الأولى وإلى اليوم رغم أن تمثيليتها السابقة والراهنة في الحكومة لا تعكس حقيقة حجمها الشعبي والتشريعي وخاصة بعد الانتخابات البلدية الأخيرة والتي احتلت فيها النهضة مجددا صدارة الأحزاب الفائزة وهو ما أزعج على ما يبدو الكثيرين ودفع بآخرين نحو البحث في مزيد تأزيم الأوضاع وخلق الخلافات والاختلافات بين المتوافقين سواء في البرلمان أو في حكومة الوحدة الوطنية وجوقة الموقعين على وثيقة قرطاج المرجعية لحكومة الوحدة أو الوفاق الوطني التي يترأسها الشاهد.

وما من شكّ أن الدعوات الأخيرة بخصوص التحوير الحكومي التي أطلقها حزب نداء تونس بقيادة إبن الرئيس حافظ قائد السبسي صاحب الطموح والطموع الذي يطلب كرسي أبيه على ما يبدو في الاستحقاقات القادمة حسب ما تدل عليه كل المؤشرات، ما من شكّ أن هذه الدعوات فتحت على البلاد بابا آخر من السجالات والجدالات والتجاذبات السياسية، لاسيما وأن اتحاد الشغل هو الآخر في صف الرافعين لطلب التغيير الحكومي الشامل وعلى رأسه رئيس الحكومة يوسف الشاهد. ليوضع هذا النموذج السياسي الناشئ مجددا أمام منعرج جديد واختبار صعب لصدق النوايا وإيثار المصلحة العامة للبلاد التي لا يبدو أنها قد تحتمل تحويرات عميقة جديدة على التركيبة الحكومية التي تعاني أصلا من ابتزازات وثيقة قرطاج الأولى والثانية والموقعين عليها من “حلف السبسي” وشركاؤه للوحدة الوطنية.

ولكن هذا الاختبار سيكون الأصعب حسب المؤشرات لاسيما امام استماتت حركة النهضة هذه المرة ضدّ التحوير الحكومي الشامل وخاصة تغيير يوسف الشاهد وذلك من اجل أن الوضع العام للبلاد لا يحتمل مثل هذه المغامرة من ناحية ومن ناحية اخرى لأن حركة النهضة عادت اليوم القوة السياسية الحزبية الأبرز وبالتالي لابد لها من ممارسة صلاحياتها الأغلبية وعدم التنازل هذه المرة عن مواقفها إزاء الدعوات لتنحية الشاهد والإطاحة بأغلب وزرائه.
كما يبدو أيضا أن حركة النهضة قد اشتمت من هذه الدعوات وهذه المغامرة رائحة الخطر، ليس فقط على الاستقرار الحكومي والسياسي والاقتصادي بل وأيضا على مستوى الاستقرار الأمني والاجتماعي، باعتبار أن مغامرة كهذه وفي ظل الوضع الاقتصادي المتأزم يوما بعد يوم، قد تدخل البلاد في نفق حقيقي مظلم لا يعرف مخرجه أحد سيما في ظل غياب البرامج والرؤى السياسية الواضحة او البديل الأفضل المطروح للحكومة الحالية.

إلا أن ما حصل اليوم من فتح جبهة جديدة للتأزم على مستوى الشأن التونسي العام بخصوص الهيئة العليا المستقلة للانتخابات لا يُنبئ بأن الوضع يتجه نحو التهدئة والتوافق والحل الدبلوماسي خاصة أمام إصرار حركة نداء تونس وحافظ قائد السبسي على عزل الشاهد وجل حكومته وصل حتى التهديد بإمكانية سحب وزراء الحزب الحاكم “سابقا” من الحكومة وطرح سحب الثقة من الشاهد وحكومته في البرلمان.

كل هذا يجعلنا نتأكد من وجود “شيطان” يترصد “توافق الشيخان” السبسي والغنوشي من أجل مصالح واطماع أخرى قد لا تنبئ بخير للبلاد والشعب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: