العياشي الهمامي للسفير: ما يلزم تونس اليوم إصلاح عميق السبسي والصيد غير قادرين عليه

تونس- حوارات السفير

“الارهاب يرهق المواطنين و يعذبهم فاذا كان رد الدولة بنفس الوسيلة فقد ربح الارهاب… لم تقطع المنظومة الأمنية مع ممارسات النظام البائد والدليل على ذلك هو ثبوت ظاهرة التعذيب كجريمة يمارسها أعوان الأمن في مراكز الاعتقال… المواطن هو محور الاصلاح و ليس عون الأمن أو القاضي… الوضع الحقوقي مثل بقية القطاعات يعيش صراع بين من يريدون الاصلاح و بين من يريدون الابقاء على الحالة السيئة الذي هو عليها… نحن في حالة صراع و علينا أن ننشر الوعي…”

حاوره محمد أمين المكشاح

 

-الارهاب و الأمن، ثنائية طرحت عدة قضايا على الساحة السياسية و الحقوقية خاصة و انبثقت عنها آليات و وسائل محل جدل كبير و تساؤلات عديدة، التعذيب بين التأييد و التنديد، هل من المبرر تعذيب متهمين بالارهاب قصد انتزاع اعترافاتهم؟

طبعا من موقعي كحقوقي و حتى كناشط سياسي مستقل و كانسان قبل كل شيئ، أرفض رفضا قاطعا و لا أبرر بأي وجه من الوجوه تعذيب أي انسان، سواءا كان متهما بجريمة ارهابية أو بغيرها من الجرائم لأنه في البداية لا يزال متهما لم يثبت عليه جرم. لا يمكن أن يوجد تبرير للتعذيب و التعذيب جريمة لا تسقط بمرور الزمن يعاقب عليها القانون و الدستور التونسي أكد على هذا، الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الدولة التونسية تؤكد على هذا، المنظمات الحقوقية كانت دائما تناضل من أجل القضاء على ظاهرة التعذيب في تونس، وبالتالي فان السؤال المتمثل في “هل يجوز تعذيب ارهابي؟” هو سؤال مغلوط لأنه يستوعب بطريقة مبطنة أن ضحية التعذيب ارهابي بينما أنه متهم لم تثبت ادانته، ثم حتى بافتراض انه ثبتت عليه الجريمة فعلا لا يجوز التعذيب، ماذا يفعل الارهاب؟ الارهاب يرهق المواطنين و يعذبهم فاذا كان رد الدولة بنفس الوسيلة فقد ربح الارهاب لأن الجو أصبح جو ارهاب، أعتقد أن الدولة من المفروض تمثل أعلى ما وصلته الحضارة لدى المواطنين و لا تعالج الارهاب بالارهاب بل تعالج الارهاب بوسائل أمنية الى جانب بقية الوسائل من ثقافة الى تربية، اجتماع و غير ذلك، التعذيب مرفوض مطلقا ولا مبرر له.

-العمليات الارهابية، الاستثمار السياسي غطاء لممارسات التعذيب، الى أي مدى يصح هذا القول؟

طبعا موجود، نحن في صراع متعدد الجوانب اليوم في تونس و من أوجه هذا الصراع الدفاع على تعذيب المواطنين بدافع أن الارهابيين ليسوا مواطنين وبالتالي فان حقوق الانسان لا تنطبق عليهم و أن حقوق الانسان هي معاملة ضعيفة لجريمة خطيرة بينما أننا نعتقد العكس تماما فالمدخل الى القضاء على الارهاب يتمثل في مقاومة الظاهرة بالأساس و مع المقاومة الأمنية بمعنى البحث و التقصي ثم الايقاف ثم السجن و الاحالة على محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات للمواطن لكي يدافع عن نفسه، و اذا صدر حكم نهائي يقضي أن شخصا ما ارهابي يقضي عقوبته بحزم و بدون تهاون من طرف الدولة.

– هل تعتقد أن المنظومة الأمنية الحالية قطعت مع ممارسات النظام البائد؟

طبعا لم تقطع المنظومة الأمنية مع ممارسات النظام البائد والدليل على ذلك هو ثبوت ظاهرة التعذيب كجريمة يمارسها أعوان الأمن في مراكز الاعتقال، الايقاف و الاحتفاظ و حتى في السجون. من ناحية أخرى، يجب أن نعترف أن ظاهرة التعذيب لم تعد كما في الماضي و هذا ايجابي بالنسبة الينا، نلاحظ أن التعذيب تراجع في قضايا الحق العام كظاهرة لكن لا يزال موجودا، نلاحظ للأسف غياب اصلاحات في عمق المنظومة الأمنية و من بينها ما يتعلق بطريقة البحث و التقصي عن الحقائق مع المواطنين المتهمين حيث مازال عون الأمن من جهة ليست له ثقافة غير ثقافة القمع و التشديد مع المتهمين، من جهة ثانية نجد أنه لا تتوفر له وسائل أخرى تتيح له احترام حقوق الانسان فمثلا من الممكن أن تجد رئيس مركز شرطة مطالب بفض ملفات عدد كبير من المتهمين خلال مدة قصيرة في حين ان عدد أعوان الأمن الذين يعملون في ذات المركز غير كاف، فيبرر أن سبب لجوءه الى التعذيب عدم توفر وسائل أخرى، وهكذا يرى أن ضرب المتهم هي الوسيلة الوحيدة للوصول الى الحقيقة.

-هل توجد مؤشرات على احترام الحكومة الحالية لحقوق الانسان؟

حتى ان وجدت فما هي الا مؤشرات ضعيفة و نظرية و ضبابية و ليست واقعية و فعلية و كمثال على هذا نرى بعث وزارة للهيئات الدستورية و حقوق الانسان و تنظيم لدورات يشارك فيها كل من المجتمع المدني و الأسلاك الأمنية لدعم ثقافة حقوق الانسان لدى الأمنيين لكن هذه الاجراءات تبقى هشة و سطحية، نحن في حاجة الى اصلاح عميق للمنظومة الأمنية ووضع حقوق الانسان في اطار هذه الاصلاحات كباب من الأبواب، لأن عون الأمن حين تطالبه باحترام حقوق الانسان و لا توفر له ضمانات تجعله يسير في اتجاه احترامها يجد انك تحدثه في مبادئ و شعارات غير ممكنة التطبيق، و من هذه الآليات توفير عدد كاف من الأعوان للقيام بالبحث، عدد كاف من المكاتب و غيرها من الآليات التي تضمن تطبيق منظومة حقوق الانسان. يلزم اذن اصلاح عميق حاليا، لا الحبيب الصيد و لا الباجي قائد السبسي قادرين على القيام به. في ذات السياق أعتبر الاصلاح الأخير في المجلة الجزائية المتعلق بوجوب وجود المحامي منذ الايقاف هو اصلاح جدي و ثورة في القانون التونسي لأن المتهم أو قريبه له الآن الحق مباشرة في تكليف محام بحضور البحث و هذا يضمن حضور المحامي مع المتهم لتفادي الضرب و الاهانة و التعذيب، هذا أمر ايجابي نثمنه و نعتبره ثمرة نضالات المجتمع المدني.

-على ضوء هذه الانتهاكات لحقوق الانسان، يثير اشكال علاقة المنظومة القضائية بالأمنية و الهجوم الاعلامي على الحقوقيين جدلا واسعا، ما رأيك بخصوص هذه النقطة؟

هذا يندرج في باب الصراع مع من يريد الاصلاح الحقيقي في المنظومة القضائية و الأمنية و اعتبار المواطن هو محور الاصلاح و ليس عون الأمن أو القاضي، لأن القاضي وظيفته اقامة النطق بالعدل و الأمني وظيفته البحث و التقصي ثم وضع المواطن و ملفه أمام القضاء، اذن يبقى المواطن هو المحور، حاليا يوجد صراع في تونس في الأوساط الأمنية و في كل الأوساط بين من يريد ارجاع الماضي و الحفاظ عليه و بين من يريد التقدم بتونس، في هذا الباب يندرج الصراع بين القضاة الذين يريدون اصلاح المنظومة و غيرهم، هنا يجب أن نذكر أن داخل القضاة يوجد الفاسدون و من بين الأمنيين يوجد الشرفاء، أي أنه لا يوجد أسود و أبيض. في ذات السياق، كشف حقائق و أبحاث لازالت بصدد البحث في قضايا منشورة يعتبر في حد ذاته جريمة يعاقب عليها القانون لأن ذكر أسماء متهمين على أنهم ارهابيون أو مجرمون في وسائل الاعلام من المحتمل أن تتم تبرئتهم لاحقا يعتبر اساءة لهم و أمر ينعكس على حياتهم.

-الوضع الحقوقي في علاقة بالوضع الاقليمي، على ضوء ترحيل لاجئين سوريين مؤخرا، ما موقفك من استقبال اللاجئين و ما تقييمك لتعامل الحكومة مع الملف؟

من حيث المبدأ، أنا منذ بداية الأزمة السورية مع فتح الأبواب للاجئين لأن هذا مبدأ انساني و القانون الدولي ينص عليه و حق اللجوء منصوص عليه في الدستور التونسي و بالتالي لا يمكننا رفض هذا الحق قانونيا و انسانيا هو واجبنا. يجب أن نقبل من يلجأ الينا بصدر رحب و تاريخ الشعوب ثري بهذا، نفس الأمر ينطبق على تونس و الشعب التونسي كما ينطبق على شعوب العالم فمن واجبنا اذن قبول اللاجئين و حتى اللاجئين الأفارقة منهم الذين يتعرض جزء منهم اليوم للاهانة و يتم ايقافهم بطريقة غير قانونية، فما بالك باللاجئين السوريين الذين من المفروض أن نعتبرهم اخواننا خاصة في ظل الحرب بالتالي أنا ضد ترحيل اللاجئين و مع قبولهم و أندد بما تفعله السلطات في هذا المجال.

-كلمة أخيرة، كيف ترى الوضع الحقوقي عامة و ما هي الحلول التي تقترحها؟

لا يوجد حل يطبق في ميدان واحد، على المستوى الحقوقي أو الاقتصادي أو الثقافي، من المفروض أن تفتح الحكومة في هذا البلد كل هذه القطاعات للاصلاح من طرف أبناء القطاعات نفسها، وهذا يتطلب أن تكون الحكومة ذات مصداقية و قوية و قادرة فعلا على ذلك، لكن هذا غير متوفر اليوم. الوضع الحقوقي مثل بقية القطاعات يعيش صراع بين من يريدون الاصلاح و بين من يريدون الابقاء على الحالة السيئة الذي هو عليها و في خضم هذا الصراع نحن بصدد ربح بعض المعارك و نفس الشيئ بالنسبة للمنظومة القديمة فهي أيضا تربح بعض المعارك و علينا أن نواصل الصراع من أجل تحقيق الاصلاحات الكبرى في تونس.

-هل يمكن أن نفهم من خلال هذا أن معادلة ارساء منظومة حقوق انسان لا تكتمل الا بوجود حالة وعي شعبية و جماعية؟

الرهان نشر الوعي لدى المواطنين، وظيفة المناضل الحقوقي تتجسد في ثلاثة أوجه، نشر الوعي لدى المواطنين بحقوقهم و حرياتهم الفردية و العامة و كذلك بواجباتهم، الدفاع على الضحايا و التنديد بالانتهاكات من طرف كل السلط سواءا كانت سلطة أبوية أو سلطة الدولة و هذا ما يجعل من الحقوقي في صراع متواصل مع جميع السلط، نحن اذا في حالة صراع و علينا أن ننشر الوعي، الحقوق و الحريات لا تقيد بدين أو لغة أو جنس أو جهة أو موقع اجتماعي أو غيره، المفروض أن ندافع عن حقوق الانسان بغض النظر عن كل الخلفيات بما أن الانسان يولد و له كرامة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: