الصوم الانتخابي.. هل هلاله فمتى زواله؟

تونس – السفير

بقلم: مروان جدة (المدير التنفيذي لمرصد الحقوق والحريات بتونس)

رغم حملات الترغيب والترهيب ، ورغم تخوينها وطنيا وتأثيمها دينيا ، أصرت الغالبية الساحقة من الشعب التونسي بمختلف توجهاتها السياسية والفكرية والعمرية، على عدم تلبية دعوات الحضور أو ” المشاركة ” في العرس الانتخابي .

حيث رفض قرابة 7 ملايين تونسي بين مدنيين وأمنيين ( 4 ملايين مسجلين + 3 ملايين غير مسجلين ) ممارسة حقهم وواجبهم الإنتخابي وإختيار ممثليهم في المجلس البلدي، رغم وجود خيارات عديدة ب 1055 قائمة حزبية و860 قائمة مستقلة و159 قائمة إئنلافية .

عزوف كان متوقعا بل كان يمكن أن يكون أكبر ، لولا وجود بعض “الأصحاب والأحباب” في القائمات الحزبية أو المستقلة ،الأمر الذي دفع ب ” أبناء العم ” و ” أقارب الدم ” بالمشاركة في التصويت ، فقط من أجل رفع الملام أو انتصارا لأولاد الحومة و الأرحام .

ولئن حاول “صانعو النكسة ” التخفيف من وطأتها بإسقاطات غريبة ومقارنات عجيبة ، فإن الأكيد أن لهذا الرفض الشعبي المنتظر أسبابا عديدة لم يجرؤ الساسة و”التياسة ” على الإعتراف بها تصريحا أو تلميحا ، متباهين ب” فيراج الدفتر خانة ” التي تدفعها إلى التوصيت غريزة البقاء والخوف من الفناء ،متناسين صعود تيارات جديدة وهروب مئات الآلاف من الأصوات ” المضمونة “.

– ديمقراطية شاذة : تسمى زورا ب ” الاستثناء التونسي ” ، حيث لا قيمة للرؤى الفكرية و البرامج السياسية و التحالفات الحزبية ولا فرق فيها بين يميني وبساري وبين رجعي وتقدمي إلا بالسلطة ،التي من أجلها تتبخر كل الشعارات وتبدأ حرب الساسة والزعامات ،مباشرة بعد الإعلان عن النتائج الأولية والإنطلاق في رحلة البحث عن ” المنصب المناسب للقيادي المناسب ” .

ففي إنتخابات 2011، أكد كل من حزب المؤتمر وحزب التكتل أنهما لن يتحالفا مع حركة النهضة ، قبل أن ” يتكتلا ” معها من أجل النهوض بالجمهورية .
أما في إنتخابات 2014، فبعد أن بنى نداء تونس ومؤسسوه حملاتهم الإنتخابية أساسا على تحقيق حلم النمطيين بإفصاء الخوانجية من الحكم والفصاص من زعيمهم ” السفاح قتال الأرواح ” ، إكتشفوا فجأة و مباشرة بعد ” الفوز ” أن “سيدي الشيخ ” صاحب فكر معتدل وأنه قد قام بمراجعات عميقة من أجل تونسة حركة النهضة واللحاق بركب التنويريين .

حركة النهضة بدورها تحولت إلى حزب لا رائحة لا لون لا أهداف له غير البقاء في السلطة ولو مع نداء تونس “حزب الجلادين ” والأخطر على تونس من السلفيين “.

-قانون انتخابي : بذريعة ” لا للإقصاء ” وحتى أن يكون الجميع ممثلا في المجالس المنتخبة ، أوحت بعض الأقليات الفكرية والسياسية إلى رسولها عياض بن عاشور ، نصا مقدسا يضمن لها النصر دون الحاجة إلى الفوز والحكم دون الوصول إلى السلطة .

قانون يتذمر منه الجميع ظاهرا دون أن يسعوا إلى تصحيح ّأو تنقيح الفصول التي تجعل من أي حاكم عاجزا أو مشلول ، مهما كانت أغلبية المقاعد ،التي لا تعكس بالضرورة أغلبية الأصوات .

– ” ما نحكمش وحدي ” : الجملة التي لاكتها النهضة ثم إجترها نداء تونس ، لتبرير كل الخيانات وتفسير كل التنازلات عن الوعود الإنتخابية التي طالما ضحكت بها الأحزاب على ذقون ناخبيها ، الذين فقدوا الثقة في برامج الأحزاب كان الأفضل لها والأوجب عليها أن تنسحب من الحكم إن كانت حقا غير قادرة على إنجاز ما أنتخبت من أجله .

– “من يدفع المليون ” لم تكتف بعض النخب بكل الخيانات والتنازلات، بل إنها جعلت من قبة البرلمان سوقا تباع فيها الأصوات والكتل والمقاعد ،حتى أصبح لسليم الرياحي والعياشي العجرودي والعربي نصرة والبحري الجلاصي كتل نيابية في المجلس التأسيسي ،بل حتى الحزب الحاكم اليوم ” إشترى ” كتلة حينها رغم أنه لم يشارك في الإنتخابات .

بعد رحلات ” السياحة الحزبية ” إبتدع النواب التونسيون ” موضة الشقوق ” والتي تسوق في ظاهرها على أنها خلاف حول السياسات ولكنها في الأصل خلاف حول الأسعار وهويات المشترين .

– حكومات فاشلة جرب الشعب التونسي بعد الثورة أكثر من عشر حكومات ، أي بمعدل حكومة كل سنة ونصف ، حكم فيها ” الإسلام السياسي ” مع الحقوقي الثوري ثم التكنوقراط ” المستقلون ” ، قبل أن يعيد الشعب الدساترة والتجمعيين ليحكموا مع ضحاياهم وأعدائهم ، ليتوافقوا على ضرب الشعب ضربة رجل واحد فيتفرق الفشل بين القبائل ” الداخلة في الربح ،الخارجة من الخسارة ” .

كل هذه الأسباب وغيرها من التراكمات ، جعلت من الشعب التونسي في معظمه لا يعيش إلا بين اليأس من المستقبل أو الحنين إلى الماضي .
يأس سيطر على شباب تونسي خاب ظنهم في الثورة بعد أن فشلوا في تحقيق جل أهدافها، حيث تشير كل الدراسات الإجتماعية إلى أن بين 70 و 80 % بينهم لا يعتقدون بوجود أي أمل في مستقبل أفضل ( حسب المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية ) وهو ما دفع بعدد كبير منهم إلى الهروب أفواجا سواءا عن طريق الهجرة الشرعية أو غير الشرعية ،أو بالإقدام المرتفع على عمليات الإنتحار شنقا أو حرقا ( أكثر من ألفي حالة إنتحار منذ الثورة حسب نفس المنتدى).
وحنين إلى الماضي هو الشعور الغالب على الكهول والشيوخ الذين لا تسمع منهم غير” ما تبدل شي ” ” قبل كنا خير ” ، جملتان لا تفتر منهما ألسنة أولئك الذين لا يرون في حرية التعبير أولوية ،بقدر ما يهتمون بالإستقرار والأسعار و” قراية الصغار ” وهي للأسف مشاكل تزداد سوداوية وفوضوية يوما بعد يوم .
ما لم يعالج السبب فسيزداد العجب وقد تبقى المقاطعة وتتمدد لتصل إلى نسبة 99.99 % ، الرقم الذي لا نحبه ولكنه قد يمثلنا .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: