الشاعر عبد العزيز المدفعي لـ”السفير”: الثقافة في تونس غير مستقلة.. ومازالت خادمة للمال والسياسة؟

تونس – السفير

عبدالعزيز المدفعي، أحد شعراء الثورة الذين تغنوا بها، وحرصوا على تحقيق وعودها، وخاضوا ولا يزالون صراع البقاء مع الثورة المضادة، ووثق ذلك في شعره، ومارسه ولا يزال في حياته وعلاقاته بالناس، ولم يفصل شاعريته ومقولاته عن فعله النضالي اليومي.” السفير” التقته للحديث عن الساحة الثقافية، وآمال وآلام القلم، في ساحة تعج بالغث والسمين، وتتجاور فيها المتناقضات.
أوكما يصفها “ساحة محتلّة من قبل المال والإيديولوجيا، مال فاسد في أغلبه يُنفق على ثقافة معيّنة، تهدف إلى تزييف الوعي وإفساد الذّائقة وتحطيم قيم المجتمع حتّى يتسنّى له ترسيخ قدمه وسلطته أكثر فأكثر وإيديولوجيا يساروية منبتّة عن محيطها تعادي مجّانا أصول المجتمع وهويته، تتلاقى موضوعيا مع ذلك المال فيؤدّيان نفس المهامّ وان اختلف الهدف” ويتابع” ومن وراء كلّ ذلك، قوى هيمنة دولية واستعمارية غادرت بخيلها ورجلها لكنّها سطّرت لمواصلة الاحتلال بوسائل أقل كلفة عليها وأكثر نجاعة من أهمّها الثّقافة. وفي مقابل كلّ ذلك، مثقّفون ينحتون على الصّخر وينتجون، ويسعون ما وسعهم الجهد للتّصدّي لذلك التّزييف . إرادتهم قويّة لكن وسائلهم محدودة وأياديهم في التّرويج والانتشار مغلولة”.

حوار: عبدالباقي خليفة
توصيفك للساحة الثقافية، لم يمنع على ما يبدو من وجود انتاج ثقافي يستجيب للمرحلة، ويتساوق مع الثورة؟
أحسب ان الانتاج الثّقافي موجود، فلم يتوقّف الشّعراء ولا الروائيون ولا غيرهم من الفنّانين يوما عن الفعل الثّقافي والإبداعي، لكن المشكل يظل في النّشر وفي الانتشار، لأن السّوق محتكرة من قبل من ذكرتُ آنفا، حيث تقتصر وسائل الدّعاية والترويج العمومية أو الخاصّة على أنماط وأسماء بعينها تخدم الهدف الكبير (التّزييف والتمييع)، فالإعلام العمومي ومعه دور الثّقافة والمسارح… ما زالت كلّها مستولى عليها من ثورة مضادّة ومن يسار استئصالي، والإعلام الخاصّ هو في يد أرباب المال القذر… وإنّك ترى كيف يُصنع (المغنّي) و(الشّاعر) و(المسرحي)… المتساوق أو الخادم للنّهج المسطّر.. وترى في ذات الوقت كيف يُغيّب الفنّان والمثقّف الهادف تغييبا كلّيا…
كلّ هذا، زيادة على مركزيّة قاتلة للرّوح المبدعة، حيث لا يجد المبدع في داخل البلاد إلا الإهمال، ويكاد المجال ينحصر في العاصمة.

هناك من يشير لوجود كم هائل من الانتاج الذي لم ينشر لأسباب مادية، أو لم ينتشر لعلة افتقاد مسارب التوزيع؟
نعم واكبت الثورةَ ثورةٌ ثقافية لكنها مكتومة الأنفاس من قبل الإعلام الذي ذكرتُ ومن قبل الأُطر الرّسمية للثّقافة في البلد، ومحجّر عليها اقتحام الفضاءات الثقافيـــــة الرّسمية، تحجير مُضمَرٌ غير مُعلن بقرار سياسوي من قبل الثورة المضادّة … ولك أن تقول إنّ الثّورة قد واكبتها أكثر من ذلك ثورة ثقافوية مضادّة أقوى وأشرس، برسي بوليس، العبدلّية، لا ربّي لا سيدي ،{ برسي بوليس، فيلم ايراني يجسد الذات الالهية ويسخر منها. والعبدلية، معرض في مكان يحمل الاسم المذكور، تم فيه عرض لوحات فيها تسبيح مكتوب بالذباب. ولا ربي لا سيدي، فيلم الحادي، ينفي الالوهية، ووما يعرف في الأوساط الشعبية بالأولياء والأقطاب الصوفية }

أين تتجلى سلطة الثورة المضادة، أو تواصل السياسات الثقافية السابقة، حيث لم يتم اقتلاع المتنفذين في الوسط الثقافي، وبالتالي بقيت دار الثقافة {في المثل بقيت دار لقمان على حالها} على حالها
تجلّيات ذلك تظهر بوضوح في المهرجانات الثّقافية حيث يقتصر التّشريك والدّعم على تلك الثّقافة بعينها، كافون مثالاً { فنان مبتذل }، وفي المهرجانات السّنمائية، منع فلم صراع من المشاركة{ يروي جانب من القمع الذي تعرض له الشعب التونسي إبان حكم بن علي}، وفي المجال المسرحي تغييب كلّي لمسرحية بن يغلان “ارهابي غير ربع”، وفي التلفزات العمومية، فضلا عن الخاصّة، يحرّم على شاعر أو روائي ثوريّ أن يظهر ويعرفه النّاس، يسكن المنصف المزغنّي القناة السّابعة { تسمى الآن القناة الوطنية } ولا يطؤها بحري عرفاوي { شاعر مبتدع ينتمي للثورة وللهوية } إلا بالصدفة…
قد يكون من نافلة القول أن نتحدث عن الثقافة، وسط وضع اقتصادي واجتماعي صعب، يعيشه الشعب التونسي، إلى أي مدى أثر الاقتصادي والاجتماعي، على الثقافي؟
من المؤكّد أن الوضع الاقتصادي له أثر سلبي على الثقافة الفاعلة والهادفة انتاجا واستهلاكا، وأذكر أنّ أحدهم شكا لي المرمّة، { مشروع بناء منزل أو اصلاحه أو توسيعه} التي تمنعه من شراء ديواني
في مقابل ذلك، تبقى طائفة مرفّهة يمكن تسميتها بالبورجوازية هي التي تقبل على استهلاك الثّقافة، لكن أيّة ثقافة تستهلك هذه الطّائفة في أغلبها؟ إنها ثقافة المزود والرّقص ومسرح التّهريج.. ذلك أنّها طائفة (في الغالب) لا تعيش ما يعيش عامة النّاس ولا تجد ما يجد من أحاسيس ومن مشاعر ومن شواغل.. بل هموم عموم الناس لا تعنيها، ومن ثمّ فهي خير داعم لثقافة هابطة متاجِرة تبحث عن الرّبح لا غير.

ما هو واجب النخبة المثقفة التي يمكن تسميتها بالرسالية؟
هناك نضال لثقافة ولمثقّفين يسعون دوما (خاصّة بعد الثّورة) إلى افتكاك مكان على هذه الخارطة، لكن يُجابَهُون بقوّة المال ونفوذ القرار الإقصائي… وهو على أيّة حال صراع غير منته.

إن كانت الوسائل التقليدية، بشخوصها المعتمدة كثيرا على الوساطات والمصالح الضيقة والاستهلاك فإن وسائل الاتصال الحديثة مثلت متنفسا وهناك شكاوي من أرباب الوسائط التقليدية، كيف تنظر للأمر؟
وسائط الاتّصال الحديثة تكاد تكون هي المتنفّس الوحيد أمام الثّقافة الثّائرة، والمثقّفين الثّائرين، عبرها يسعون إلى ترويج إنتاج مغاير لما هو سائد وما هو منسجم مع حقبة التّسلّط الماضية.. يستغلّون هذا الفضاء في ترويج المنتوج من القصّة ومن الشّعر ومن المسرح إلخ. ذلك أنّ هذا الفضاء مازال إلى حدّ ما مشاعا وعصيّا على سطوة الثّقفوت وحرّاس معبد الاستعباد، وعصيّا على أرباب المال والنّفوذ، يلجأ إليه المثقّف الرّسالي المبدئي لكلّ تلك الأسباب ولسبب إضافي كونه فضاء غير مكلِّف مادّيا إذ المثقّف الرّسالي والمبدئي يكون في غالب الأحيان مُعوَزا.

هل ساهمت وسائل الاتصال الحديثة في عزوف الناس عن الوسائل التقليدية ولا سيما السينما؟
العزوف عن قاعات السّينما ليس بالأمر المستجدّ، وأسباب ذلك ـفي ريي ترجع أساسا إلى المنتوج الذي يُعرض في حدّ ذاته، إذ هو في الغالب منتوج ضحل أو مستهلك لا يقوى على استجلاب الجمهور إلاّ بقدر محتشم ويكاد يخصّ طائفة بعينها من المجتمع (البورجوازي المرفّهة)، تلك الطّائفة المنبتّة عن واقعها ومحيطها وثقافتها، وإلاّ فلمَ نرى كلّ الأفلام والأشرطة تلك مدعومة ومتبنّاة من جهة بعينها في الغالب وهي فرنسا، مع وزارة الثّقافة طبعا ؟ وطبعا، فإن للظروف الاقتصادية أيضا دور في هذا العزوف، ما يجعل إقبال عامّة النّاس من الطبقة المتوسّطة وما دونها أمرا غير مطروح .
هذا ، والسّبب الأعمق والأفعل من كلّ ذلك، هو انتشار وسائط الاتصال الحديثة فلم يعد الواحد منّا وخاصّة الشّباب مضطرّا للانحشار في قاعة ليتابع فلما، بل صار بينه وبين الفرجة (تسلية أو تثقيفا) مجرّد زرّ حاسوب أو هاتف ذكيّ لا أكثر .

المحسوبية، واحدة من الآفات التي تنخر الجسم الثقافي التقليدي، كيف تراها؟
أرى آثارها ماثلة لعينيّ، وإنّي أشاهد كيف يُصنَع المهرّج فيصير مسرحيا بقدرة قادر فيحتلّ ركح قرطاج أو المسرح البلدي.. فالثّقافة في تونس لا زالت خادمة لقطاعات المال والسّياسة، وليست شأنا مستقلا بذاته غايته الخلق والإبداع (أعني على المستوى الرّسمي).

في ظل هذا الوضع ما هو المطلوب من النخبة المثقفة أوالمثقف العضوي كما يقول غرامشي؟
سيظلّ الأدباء الرّساليون يكتبون في الشّعر وفي القصّة وفي الرّواية.. ويسعون إلى إمتاع النّاس القرّاء بأدب راق وهادف ، لكنّ جهدهم سيظلّ محدودة المردودية والانتشار مالم يُسنَد بإرادة سياسية صادقة. وراهنا، السّياسة الرّسمية تتّجه إلى عكس هذا المرام، اتّجاه إلى خلق شعب مستهلك لا عناية له بالفكر ولا بالأدب، وانظر إذا شئت إلى موائد حوار تسخر من الأديب ومن الشّاعر، وانظر إذا شئت إلى قولهـــــــــم : “ماذا نفعل { بها الكتب } ؟”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: