الخبير الاقتصادي إسكندر الرقيق لـ “السفير”: تحرير الدينار لابد أن يكون مشروطا بإجراءات أخرى وإلا فستكون الكارثة..

تونس – السفير

بعد التقهقر الكبير الذي عرفه الدينار التونسي الأيام الأخيرة وقيمته في السوق العالمية على إثر التصريحات الغريبة والتي أثارت جدلا واسعا التي أدلت بها وزيرة المالية لمياء الزريبي بخصوص تعمد الدولة التخفيض في قيمة الدينار وتعويمه كحل من حلول جلب الاستثمار الخارجي، كان لجريدة السفير هذا الحوار المهم مع الخبير الاقتصادي والاستراتيجي إسكندر الرقيق الذي حدثنا عن معنى تعويم الدينار وآثاره الجانبية وأهم الإجراءات التي لابد من اتخاذها مع هذا الإجراء لتلافي كارثة اقتصادية حقيقية..

حاوره: ظافر بالطيبي

1ـ أولا الرأي العام اليوم يتساءل عن معنى تعويم الدينار خاصة أن المصطلح ذا سمعة سيئة لاسيما في التجربة المصرية؟

في الحقيقة التسمية الصحيحة ليست تعويم الدينار بل هي تحرير الدينار وهذا هو المصطلح المناسب والصحيح وهو إجراء مؤلم يكون من بين الحلول الصعبة للأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلدان الضعيفة والهشة وخاصة التي تشهد عجزا في ميزانها التجاري وتدهورا في قيمة العمل بين أفراد شعبها وانخفاض حجم تداولاتها العالمية.
وتحرير الدينار هو بمعنى رفع الوصاية عليه من قبل البنك المركزي وتحريره في السوق المحلية والعالمية تحريرا كاملا حتى يصبج دون رقابة أو وصاية وينضبط لقانون العرض والطلب فقط. ولا يعني انخفاض قيمته مقارنة بالعملة الأجنبية كالدولار والأورو كارثة كبيرة أو أزمة ، فالمسألة تعيد الأمور للنصاب الحقيقي للشأن الإقتصادي دون مغالطات أو “دوباج”، حيث تقاس قيمة الدينار بالقدرة الإنتاجية للشعب ومهارته في خلق الثروة وليس بباقي العملات الأجنبية وهذا هو الحجم الحقيقي لقيمة أي العملة.
الدينار التونسي كان كالرياضي الذي يتعاطى المنشطات ، لو واصلنا إعطاءه المنشطات سيهلك ، ولو توقفنا سيتعب قليلا ولكن سيتعافى إذا ما حققنا عدة شروط مهمة ، ويجب أن لا يقتصر الأمر على وقف المنشطات والجلوس بالبيت ، لانه بذلك لن يتعافى وقد تتدهور صحته ولن يصبح بطلا مرة أخرى.

2ـ ولكن أين تكمن الخطورة في عملية التحرير هذه التي تحدثت عنها الوزيرة؟

الخطر الوحيد والكبير هو أن لا تتبع مثل هذه العملية إجراءات أخرى مكملة من أهمها تغيير قانون الصرف المتخلف و البالي والمهترئ والذي أكل عليه الدهر وشرب .
فمثلما تريد الحكومة تحرير الدينار لابد في الوقت نفسه من تحرير صرف العملة في تونس وعدم محاصرتها وتقنين هذه العملية كما هو معمول به في الدول الأخرى وذلك من أجل ضمان ترويج أكبر نسبة ممكنة في السوق المحلية من العملة الصعبة. كما يجب أن نعطي فرصة للخواص لفتح محلات “صرافة” وإلغاء إحتكار البنوك على هذه العملية، كما يجب إعطاء الفرصة لكل تونسي بأن يفتح حسابات بنكية بأي عملة يريد دون قيود أو شروط.
فالدولة التي تحرر الدينار وتريد جلب الاستثمارات وضخ العملات الأجنبية إلى سوقها المحلية ليس عليها فرض قيود على ترويج أو امتلاك العملة في البلاد لهذا ينبغي مراجعة مجلة قانون الصرف والقوانين المتعلقة بها في الغرض لتحقيق هذا التوازن في السوق المالية التونسية.

3ـ طيب إذا تواصلت عملية تعويم الدينار بهذه الكيفية وحتى الوصول إلى ما يفوق 3 أورو كما قالت وزيرة المالية، كيف سيكون تأثيراته على عامة الشعب ومن سيكون المتضرر الأبرز من هذا الإجراء؟

أول شيء يجب أن نلغي كلمة تعويم … هو تحرير وليس تعويم… والحرية دوما سيكون لها آثار إيجابية ولو بعد حين…
بطبيعة الحال في المدى القصير ستكون هناك تأثيرات جانبية لهذه العملية الحساسة، فالوضع الاقتصادي التونسي مريض ولعلاجه لابد من جرعات مرة من دواء خطير يجب الإنتباه عند أخذه وكما تعلمون كل دواء له تأثيرات جانبية، وعملية تحرير الدينار لها طبعا مثل الدواء المر والخطير تأثيرات جانبية ولابد من احتوائها.
من هذه التأثيرات وأوضحها هو تضرر أصحاب الأعمال والتجار الموردين لبضائعهم أو خدماتهم وهو ما يعني تأثيرا غير مباشر في اليد العاملة وفي الأسعار والقدرة الشرائية في بعض المواد حتى تلك المصنعة في تونس وتستورد موادها الأولية من الخارج. على عكس أصحاب الأعمال من المصدرين للمنتوجات التونسية حيث سيجنون المزيد من الأرباح بقدر قيمة الفارق الجديد بين الدولار أوالأورو والدينار التونسي.
ولتخفيف الآثار الجانبية ، يجب الإسراع في اتخاذ إجراءات أخرى لتحرير الإقتصاد بالكامل والانتقال من الاقتصاد الريعي الذي يخدم مصالح بعض الأشخاص الضيقة إلى اقتصاد حر شفاف يضمن تكافؤ الفرص للجميع.

4 ـ هل ترى أنه قد تلجأ الحكومة إلى رفع أسعار بعض المنتوجات ورفع الدعم عن المواد الأساسية للحد من تأثيرات تدني قيمة الدينار؟

إذا كان لابد اللجوء إلى هذا الخيار فرفع الدعم عن المواد الأساسية ضروري جدا وسيربح ميزانية الدولة أموالا كثيرة ولكنه لابد أن يكون مقتصرا على المرفهين وليس عامة الشعب وذلك وفق ما هو معمول به في الدول الأخرى حيث يتم تقديم منح اجتماعية شهرية للفقراء كنوع من التعويض عن غلاء الأسعار ورفع الدعم.. ولكن مثل هذا الإجراء طبعا لابد أن يتوفر في مناخ من الشفافية والحوكمة الرشيدة بعيدا عن الفساد والمحسوبية وان كان تطبيقه بداية سيكون صعبا نوعا ما ولكن من المؤكد أنه سينتظم بمرور الوقت ولما لا يتم تأسيس هيئة عليا مستقلة للتعوضات الاجتماعية عن رفع الدعم على المواد الأساسية ومجابهة الفقر والدخل المحدود..

5ـ ختاما سيد إسكندر الرقيق كيف تقيّم وزيرة المالية الحالية لمياء الزريبي وتصريحاتها الأخيرة حول تعويم الدينار وهل يمكن في ظل الحكومة الحالية وسياستها الاقتصادية تطبيق سياسة اقتصادية ناجحة وفعالة لاسيما أمام استشراء الفساد وعدم جدية الحكومة في المحاسبة واسترجاع الأموال المنهوبة، كما يراها البعض؟

الحكومة مرتبكة وتنقصها الخبرة والشجاعة والجرأة مثل بقية الحكومات السابقة، و ترهقها خصام الشقوق داخل الحزب الذي يقودها،
وما تصريح وزيرة المالية الأخير إلا أكبر دليل على ضعف الحرفية لدى النخبة التي تقود البلاد اليوم.
أتمنى من هذه الحكومة أن تواصل خطوات الإصلاح وتحرير الاقتصاد من براثن عبودية الإدارة والقوانين المتخلفة المتحجرة…
والإصلاح “كل” لا يتجزأ، يبدأ بمحاربة الفساد والمحسوبية ويتهي بإرساء قوانين جديدة متطورة تساعد الاقتصاد على تحقيق مبدإ الحرية والتنافسية على أسس تكافئ الفرص…
حققنا الحرية في كل شيء، في الإعلام و التنظم والتعبير والتظاهر والإحتجاج والتنقل والسفر والقضاء والانتخاب
وبقي الإقتصاد. يجب أن يتحرر لكن بعد أن نحارب الفساد ونرسي دعائم دولة القانون التي تشجع حرية المبادرة والإبداع…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*