“الثورة” التونسيّة والربيع العربي.. بين المغامرة والمؤامرة

أسرار وخفايا أحداث “الثورة”.. وفصول من المؤامرة..

لمسات أمريكيّة وصهيونية واضحة تغير مجرى الأحداث..

بقلم ظافر بالطيبي 

 لاشكّ أنّ غمرة الانتصار والنشوة بالحلم المنتظر بعد فرار المخلوع التونسي يوم 14 جانفي جعلت الكثيرين ينساقون وراء العاطفة العمياء والوهم الذي أصبح زيفا، وعيا جماعيّا بقيام ثورة حقيقيّة في تونس أثمرت فرار الرئيس السابق الدكتاتور بن علي والقبض على بعض أفراد عائلته وأعضاده. وهو ما أفرز حالة من التمادي والتصديق اللاواعي بقيام ثورة ضدّ النظام القائم في تونس كانت نتيجتها تحوّلا سياسيا جذريّا وانفتاح البلاد على هامش كبير من الحريّة لم يعهده التونسيون منذ الاحتلال الفرنسي. بينما تُشير كلّ المعطيات والوقائع والأحداث منها ماهو موّثق بالصورة والصوت والدليل أنّ الحقيقة مخالفة لذلك تماما وأنّ هناك نقاط غموض واستغراب وأسرار كبيرة حامت حول معظم أحداث ما بين 17 ديسمبر و17 جانفي على وجه الخصوص مما يطرح تساؤلات كثيرة في الموضوع تجعل من غير الجدّي القول بأنا قد قمنا بثورة ضدّ نظام بن علي وقمنا بإسقاطه وتغيير خارطة السياسة والحريات في البلاد في أيّام وليال معدودات إلاّ من باب التيّمن أو التعبير المجازي والتمني. ومع ذلك مازال الكثير يرزح تحت وطأة النشوة المزيّفة إلى اليوم متجاهلا منعرجات وأحداث خطيرة وكثيرة مرت بها البلاد لا تؤشر ولو في أدنى استقراءاتها عن وجود ثورة شعبية ولا غيرها في البلاد فما بالك في المنطقة بأسرها. وذلك دون التقليل من الحراك الشعبي الذي قام في البلاد والذي لم يكن في الحقيقة بمستوى حراك أحداث الحوض المنجمي عام 2008 ولا أحداث بنقردان 2010 اللذين كانا أكثر شراسة وخطورة على نظام بن علي حينها.

لم نكن منذ السنوات الثلاث الماضية نميل إلى كشف الحقيقة كما هي وذلك مسايرة للواقع وترقبا للأحداث لعل الدوائر تدور على أصحابها وتكون ثورة حقيقيّة وفعلية بعد أن خرجت على الساحة أصوات وشخصيات وطنيّة ثورية لها من الصدق والوعي ما يمكن أن يجعلها تغيّر شيئا في الخارطة القادمة وتحبط بعض المؤامرات التي تحاك ضدّ البلاد والمنطقة والشعوب العربية والإسلامية على وجه الخصوص. ولكن بعد أن بدأت تتكشف خيوط اللعبة بأكثر وضوح وبعد العودة القوية لقوى النظام القديم لاسيما صلب الوزارة الأمنية التي كانت تحكم قبضتها الحديديّة على الشعب المقموع لسنين وعقود، لم يكن لنا من خيار غير الصدح بالحقيقة وكشف الأمور والخفايا بعيدا عن أمنيات النفس وأحلام اليقضة الطفولية ونحن في عصر الرصاص والقنابل التي لا ترحم فينا صغيرا ولا توّقر كبيرا.

وقد عجبت لنخب سياسيّة وإعلاميّة مازالت إلى اليوم لا تريد الاعتراف بالحقيقة والواقع خاصة بعدما تكشفت روابط كثيرة بين الأحداث ليس فقط في تونس بل وفي المنطقة العربية بأسرها ودول ما سُميّ بالربيع العربي الذي جعلوه بعد حين خريفا يريدونه دائما للعرب ومنطقتهم الاستراتيجيّة كي يسهل على الأمم الناهبة غير الواهبة أكل لحومها وسرقة ثرواتها ومقدّراتها واستعباد شعوبها وأدمغتها. ولن أطيل في التقديم والتحليل لأني سأقدم في هذه المقالة وبعد الاطلاع على عديد الوثائق السريّة والدراسات والكتب والحصول باعتبار مهنتي الصحفية على معلومات أكيدة، الدليل على أنّ ما حدث في البلاد لاسيما منذ 14 جانفي وقت هروب الرئيس الدكتاتور بن علي ليس إلا بداية تنفيذ مشروع دولي عالمي صهيوني دينيّ متشدد من أجل إدخال تغييرات جذرية على المنطقة وإدخالها في حالة الفوضى الخلاقة التي ليست إلاّ فوضى طويلة المدى تسهل على الأمم الناهبة من الغرب وخاصة اللوبي الأمريكي الصهيوني إعادة تشكيل الخارطة الجغراسياسيّة لغايات في نفس “جاكوب” الجديد والعم سّام (من السّم).

 

أحداث “الثورة” التونسيّة 

أحداث كثيرة وخطيرة مرّت في الفترة الفاصلة بين 17 ديسمبر و17 جانفي مرور الكرام لم يقف عليها إعلام ولا أفلام. بينما من كان يتتبعها منذ بدايتها القذّة بالقذّة يقف ضرورة على أسرار كبيرة واستفهامات لا جواب لها إلاّ بالتتبع والاستقراء والاستقصاء والجمع والتحليل.. ومن أبرز أسرار الأحداث التونسيّة التي كانت نقطة بداية وتحوّل في المنطقة العربيّة بأسرها اثنان لعلّ ثالثهما رئيس أركان البر السابق رشيد عمّار الذي مازالت تحوم حول دوره إبّان الثورة وبعدها نقاط استفهام كثيرة..

 

 

دور القناصة وفرق الموت المرتزقة

الملف الأّول هو ملف القناصة الذي كان بمثابة حلم اليقضة، حيث أثبتت أدلّة قطعيّة وجود عناصر مشبوهة وغير معلومة الانتماء العسكري قامت بأعمال قنص متعمّد محدودة للمدنيين العزّل من أجل تأجيج غضب الشارع ودفع المواطنين للهيجان والانتقام وردّ الفعل العنيف تجاه الدولة بالحرق والضرب والتخريب والتكسير. والغريب أنّ هؤلاء القناصة لم يدخلوا على ساحة الأحداث إلاّ في بداية شهر جانفي وتحديدا يوم الثامن من جانفي 2011 بمنطقة القصرين بعدما خفتت سابقا جذوة الأحداث في منطقة سيدي بوزيد وعادت الأمور إلى نصابها. وقد قام المواطنون بالقبض على عدد من القناصة في القصرين وبنزرت وغيرها لاحقا وتم تسليمهم للجيش كما التقطت عدسة إحدى القنوات الفرنسيّة صورا لأحد القناصة في ثكنة الجيش الوطني بالقصرين.. وهو ما يفتح المجال بدوره لعديد التساؤلات الأخرى حول دور الجيش التونسي في “الثورة” وتحديدا قيادة جيش البر الذي أظهر تدريجيّا شبه تمرد على النظام ووقف إلى جانب المتظاهرين بل ووصل الأمر برشيد عمار لرفض بعض الأوامر الشفوية من مدير الأمن الرئاسي متعللا بالقانون العسكري ووجوب إرسال برقية مكتوبة بالتعليمات التي منها ضرب المتظاهرين وتغيير الأزياء العسكرية بأزياء الحرس والشرطة وغيرها. ومازال ملف القناصة إلى اليوم مغلقا بل ومحرما في فترة يسميها سياسيوها مرحلة انتقال ديمقراطي كذبا على النفس وتوّهما زائفا، رغم اعتراف الناطق الرسمي السابق للمحكمة العسكرية بوجودهم وكذلك رئيس لجنة تقصي الحقائق حول أحداث “الثورة” السيد توفيق بودربالة الذي أثبتت لجنته وجود أعمال قنص متعمدة إلاّ أنّ السلطة السياسيّة رفضت وتجاهلت كل الحقائق ليخرج علينا الوزير الأوّل السابق الباجي قائد السبسي –ومن بعده ممن نحا نحوه-  ويقول أنّ القناصة “إشاعة” في ظاهرة غير مسبوقة من استغباء الشعب ومغالطة الرأي العام لا تتماشى والواقع الثوري المزعوم.

علما أنّه ثمة فرق كبير وشاسع بين القنص والقتل. وكثير من الشهداء سقطوا بأعمال قتل أثناء المواجهات مع أفراد وحدات التدخل والشرطة والحرس وهذه المواجهات كانت نتيجتها أعمال قتل متعمّدة غالبا يُعرف أصحابها وفاعلوها، تمّ سجنهم حماية لهم ولأربابهم في الوزارة الأمنية وأطلق سراح أغلبهم لاحقا بعد صدور أحكام تخفيفية ضدّهم بمحكمة الاستئناف العسكري.

أمّا القنص فهو حالة مغايرة تماما تقتضي التركيز على نقطة قاتلة في جسم الضحية والتصويب عليها دون حالات مواجهة عادة ومن بُعد مئات الأمتار. وهو أيضا ما أثبتته عمليات التحليل البالستي التي كشفت نوع الرصاص والسلاح الذي أستخدم في قنص بعض المتظاهرين خاصة في القصرين. وجدير بالذكر أنّ فرق القنص موجودة في المؤسسة العسكرية التونسيّة والمؤسسة الأمنية لدى الوحدات الخاصة للحرس الوطني وفرقة مجابهة الإرهاب التابعة للإدارة العامة لوحدات التدخل والفرق الخاصة التابعة للجيش الوطني.

وجدير بالذكر أيضا أنّ عمليات القنص حصلت أيضا بعد 14 جانفي وتحديدا بمحيط مقر وزارة الداخلية حيث تمّ إطلاق النار على مقر الوزارة من سلاح قنّاص أظهرت الأبحاث أنه قد يكون صادرا من بناية التجمع الدستوري المنحل أو من فندق البحيرة القريب من الوزارة حسب شهادة سمير الطرهوني قائد فوج مجابهة الإرهاب التي قامت بعملية المطار الشهيرة يوم 14 جانفي. وهو ما يطرح بدوره تساؤلات كثيرة حول أسباب هذه الطلقات وغاياتها علما أنّ الوزارة كانت محاطة بعدد من القناصة التابعين للجيش ولوحدات الإرهاب على الأسطح بغاية تأمينها كما أثبتت ذلك الأبحاث والتحريات التي تم فتحا بدءا من شهر فيفري 2011 لدى الفرقة المركزية الأولى للحرس الوطني بالعوينة.

 

“فرق موت” ما بعد 14 جانفي 

أما الملف الثاني الذي بقي في صندوق أسرار “الثورة” والذي لم يقترب منه إلى اليوم حتى جهابذة الشاشات و”البلاتوات” السياسية اليومية وتلك المحاولات الضعيفة والسخيفة التي أرادت أن تلقي الضوء على خفايا الأحداث وقتها، فهو ملف ما بعد أحداث 14 جانفي وفرار بن علي، حيث دخلت الأحداث منعرجا ثانيا بعد شبه انهيار للمؤسسة الأمنية حيث أقدم عدد كبير من الأمنيين على تسليم أسلحتهم لثكنات الجيش يوم 13 جانفي والعودة لمنازلهم خوفا على أرواحهم وأنفسهم، منهم قياديون كبار على غرار نائب مدير الأمن الرئاسي وغيره.. وكانت بداية هذا الفصل من المسرحية ليلة هروب المخلوع حيث خرج علينا الوزير الأول في مشهد مريب وكأنه تحت التهديد ليعلن توليه الرئاسة مؤقتا بسبب غياب الرئيس في مخالفة واضحة للدستور توحي بمدى التشنّج والارتباك الحاصل في أعلى مستويات السلطة. تلتها عمليات متزامنة لإطلاق الرصاص من مجهولين في الأحياء السكنية بغاية إرهاب المواطنين والأهلي وإرعابهم وإشعارم بأنّ أمنهم وحياتهم الشخصية مهددة بغاية السيطرة على غضبهم و”ثورتهم” ضد الوضع القائم وحماية في ذات الوقت لمصالح اقتصادية كبرى لأطراف بعينها خاصة بعد أعمال النهب والحرق التي حصلت وتورط فيها حتى أمنيون وشخصيات معروفة ضدّ مرافق اقتصاديّة وتجاريّة بعينها دون أخرى..

وتزامن ذلك مع حملة إعلامية خسيسة من بعض القنوات الخاصة التي أرعبت المواطنين بالبلاغات الكاذبة وأوهمتهم أنهم محاطون بالقناصة والقتلة وأن هناك جهات أمنية من الأمن الرئاسي ومناصري الرئيس الفار يقتلون المواطنين في الأحياء انتقاما منهم وعملا على إرجاع الرئيس المخلوع. وتوجهت كل الشكوك للأمن الرئاسي الذي لم تكن له في الحقيقة أية صلة بالأحداث حتى أنه لم يتحرك من محيط القصر الرئاسي باعتبار أنّ مهمته الرئيسية هي حماية القصر والرئيس والشخصيات الرسمية لا غير. وهو ما أربك المواطنين ليتواصل مسلسل قتل الأبرياء لأربعة أيام على الأقل قتل فيها عديد الشباب الذين كانوا يدافعون عن أحيائهم وينصبون نقاط التفتيش بغاية القبض على الأشباح والقناصة الذين كانوا يقتلون الناس بلا ذنب ولا سبب.

والحال أنّها لعبة سياسية دنيئة وإجرامية تهدف إلى بسط السيطرة على الأهالي من جديد بعد تحقيق غاية إجبار الرئيس الدكتاتور على الهروب، لغايات في نفوس من خططوا لذلك وهم معروفين لدى المطلعين على تفاصيل الأحداث والأمور والمتابعين للساحة منذ بداية الأحداث تحكمهم أجندات أجنبيّة وسفارات كبرى في البلاد، بل وقبلها من سنوات قليلة، حيث تم التخطيط فعلا لإعادة خلط الأوراق من جديد في المنطقة العربية بدءا بمنطقة المغرب الكبير ووصولا إلى الشرق “الكبير” الذي تسعى تلك الأطراف لأن يكون دولة “إسرائيل” الكبرى.

وخلاصة القول في هنا أنّ القناصة كانوا وقود الثورة على حساب دماء الأبرياء، وهم فرقة من المرتزقة التي تعمل ضمن إحدى النخب العسكرية الأمنية الرسمية قد تكون أجنبيّة كما قد تكون تونسيّة، وكان دورهم بعد 14 جانفي حبس المواطنين في أحيائهم وترهيبهم لعدم مواصلة تحركاتهم التي يمكن أن تُخرج الأمور عن سيطرة من خططوا لها وتصل إلى حد اقتحام الثكنات ووزارة الداخلية وحينها ستنفلت الأمور ولن يسهل إحكامها من جديد.

 

أسرار وخفايا أخرى

وإضافة إلى ملفي القناصة وفرق الموت التي انتشرت بعد فرار المخلوع والتي تم القبض على بعضها وسلمهم المواطنون لعناصر الجيش في القصرين وبنزرت وغيرها إلاّ أنّهم تبخّروا فيما بعد وسكت عنهم رشيد عمار ووزير دفاعه الزبيدي ووزيرهم الأول الباجي قائد السبسي، الذي يعرف هو وبعض السياسيين جيّدا ما تمّ تدبيره للبلاد ومن كان يقف وراء المغامرة الدولية التي تم تنفيذها في شكل تجربة مخبرية أقرب للمغامرة منها للمؤامرة، هناك أسرار أخرى وخفايا لعلنا نكشفها لأول مرة في هذا المقال منها الدور المشبوه الذي لعبه المعهد الدولي الجمهوري في تونس قبل الثورة وبعدها حيث كانت له اتصالات مكثفة قبل الثورة خاصة بحزبين معارضين وشخصيات أخرى، وأطلع مسؤولوه المعارضة التونسية أنّ هناك تغييرا قريبا سيطرأ على المنطقة من أجل التخلص من الدكتاتورية وحماية حقوق الإنسان وترسيخ الديمقراطة في المنطقة وخاصة تونس وهذه المعلومات موثقة ربما ليومنا هذا في الإدارة العامة للاستعلامات كما أفادت به لنا مصادر موثوقة.

كما أن وثائق ويكيلكس المسرّبة غير العفوية، والتي كشفت كثيرا من فضائح الأنظمة العربية منها تونس ومصر وسوريا وغيرها.. لم تكن في واقع الأمر غير تمهيد وتحريض سياسي وإعلامي وشعبي ضدّ الأنظمة المستهدفة من أجل تسهيل عملية انتفاضة الشعوب العربية في اللحظة المناسبة حسب ما تشير إليه دراسات مراكز البحوث الاستراتيجية الأمريكية لاسيما المتعلقة منها بالمجتمعات العربية منها تونس وطبيعتها وكيفية التعامل معها لاسيما أنّ أحداث سليمان وقفصة وبن قردان كانت مقدمة ومؤشرا مهما لقرب اللحظة الحاسمة.

كما أنّ من أسرار أحداث “الثورة” أيضا، المنعرج الحاسم الذي حصل يوم 14 جانفي صباحا أي بعد ليلة الخطاب المشهور لبن علي الذي بدا فيه ضعيفا وكأنه يناشد الشعب الهدوء والعودة إلى الوراء واعدا إياه بوعود لا يمكن تحقيقها حتى في الأحلام كما تعهد فيها بأنه لا رئاسة مدى الحياة لأول مرة وقد أكدت مصادر أن لمروان المبروك زوج ابنته من زوجته الأولى دور كبير في صياغة فحوى الخطاب بعد اجتماعه به يوم 13 جانفي في قصره رفقة زوجته سيرين كما تشير لذلك الأبحاث. وبعد خروج مئات المأجورين والتجمعيين للاحتفال بالخطاب إلا أنّ ذلك لم يكن سوى خداعا لبن علي وتطمينا له بتراجع الغضب الشعبي وقبول الناس بخطابه ليتفاجأ من الغد بعشرات الآلاف أمام وزارة أمنه يرفضونه وينادون بخروجه من الحكم لأوّل مرة منذ أكثر من 20 عاما. بعد أنّ تم تسهيل طريق ولوجهم للشارع الأمني الأوّل بتونس حيث تتواجد وزارة الداخلية، شارع الحبيب بورقيبة.

ولا شكّ أنّ مظاهرة صباح 14 جانفي المشهورة لم تكن عفوية حيث تشير الصور ومقاطع الفيديو إلى السهولة الكبيرة التي وصل بها المتظاهرون إلى وسط العاصة وإلى وزارة الداخلية، حيث لم تكن هناك تعزيزات أمنية كبيرة تمنع وصولهم كما تعامل معهم البوليس يومها برفق تام وبسلمية عكس الأيام الفائتة. وإن ذهب البعض أن ذلك نتيجة خطاب بن علي وأمره بالكف عن إطلاق الرصاص على المتظاهرين إلا أنّ الواقع حينها كان يشير لخلاف ذلك لعدة أسباب منها أن يومها عدد كبير من الأمنيين لم يباشروا أصلا عملهم بعد أن فروا وسلّموا أسلحتهم للثكنات العسكرية إلى جانب أنه كانت هناك أوامر أمنية من الوزارة بالسماح للمتظاهرين بالمرور دون التصدي لهم وهو ما أظهرته مقاطع الفيديو بشكل واضح.

 

تصريحات أحمد شابير والطيّب العجيمي:

كما ألقت تصريحات كلّ من أحمد شابير مدير الأمن العسكري إبّان الثورة والذي عوّض يوم 13 جانفي رشيد عمّار ليشرف على غرفة عمليات جيش البر بعد أن تمّ تعيين رشيد عمّار بصفة فجئيّة مُشرفا على غرفة عمليات وزارة الداخليّة التي حكم بها بن علي كامل سنوات حكمه، حيث صرّح أحمد شابير  في برنامج تلفزي خلاف شهادته أمام الفرقة المركزيّة الأولى للحرس الوطني في قضيّة التآمر على أمن الدولة، أنّ ما تمّ في تونس قد يكون مآمرة من دولة أجنبيّة سرعان ما تراجع عنها بعد ذلك عند استدعائه للتحقيق معه على خلفية تصريحاته في البرنامج مع الصحفي سمير الوافي. ويذكر أنّه قد تمّ قطع بث البرنامج في حلقته الأولى مما أثار جدلا واسعا حيث اتهم أحد التقنيين بتعمد سرقة الشريط بتحريض من صحفي آخر قريب من رشيد عمّار وزمرته حسب بعض التصريحات والتسريبات. ولا يخفى أنّ التصريح الخطير للمدير السابق للأمن العسكري أحمد شابير الذي بدا تلقائيّا في كلامه لم يكن من فراغ أو نتيجة قراءة تحليلية للأوضاع بحكم منصبه الحسّاس حينها في المؤسسة العسكريّة.

كما صرّح رئيس أركان جيش الطيران السابق الطيب العجيمي أمام الاستنطاق في شهادته في العوينة حول سؤال يتعلّق بالقنّاصة أنّ ما عُرف بملف القناصة ليس من اختصاص جيش الطيران وأنّ المسؤول عن الموضوع هو رشيد عمّار رئيس أركان جيش البّر. وهو ما يعني أنّ سرّ  القناصة الذين تمّ القبض على بعضهم وتصويرهم في أكثر من مرة – منهم عدد اصطحبهم الجيش من إحدى الثكنات بولاية القصرين- لدى قائد أركان البر رشيد عمّار دون سواه.

 

عمليّة المطار.. والمنعرج الحاسم 

لا يخفى على متتبعي أحداث الحراك الشعبي منذ بدايته أنّ سيناريو “تحرك أمني مفاجئ” ضدّ الرئيس وأصهاره الذين عاثوا في البلاد سرقة وفسادا لم يكن ليخطُر على بال أحد، إلى يوم 14 جانفي بعد أن تمّ تفريق مظاهرة شارع بورقيبة بسبب قيام بعض شباب “باب الخضراء” الذين اصطحبوا جنازة المرحوم حلمي المناعي ليعبروا بها من أمام وزارة الداخلية وسط الحشود الهائلة من المتجمهرين، برشق قوات الأمن التي كانت تؤمّن الوزارة بالقوارير والحجارة انتقاما لقتل شهداء باب الخضراء ولافيات قبل يوم أي يوم 13 جانفي 2011. حيث تفاجأ الشعب التونسي بعد تفريق المظاهرة بنحو ساعتين ونيّف بنبإ احتجاز أصهار المخلوع في مطار قرطاج الدولي من قبل وحدة مجابهة الإرهاب التابعة لوحدات التدخل بقيادة سمير الطرهوني والوحدتين الخاصّتين اللتين عاضدتا الطرهوني التابعتين لوحدات التدخل بقيادة زهير الوافي والحرس الوطني بقيادة العربي الأكحل. وهو ما كان له وقع كبير على الرئيس المخلوع الذي قال له مدير أمنه آنذاك السرياطي أنّ الأمور خرجت عن السيطرة وهناك حالة تمرد أمني لاسيما بعد حالة الفوضى التي دخلت على مختلف وحدات الأمن الأخرى والتي جعلت من إمكانية تأمين حياة الرئيس المخلوع مستحيلة وهو ما دفعه للخروج من البلاد مع عائلته بعد أن كان خطط لعملية إخراجهم هم فقط بادئ الرأي.

وما من شكّ أنّ ما قامت به قوات مجابهة الإرهاب والحرس الوطني والقوات الخاصة لوحدات التدخل مغامرة كبرى ومفاجأة أكبر لدى المتتبع التونسي الذي لم يعتد من الأمن التونسي إلا المواقف السلبية الداعمة للدكتاتورية والتي جعلت صورة البوليس رديئة جدا شعبيا، لاسيما وأنّ عمليات قتل وقمع المتظاهرين السلميين في الجهات والعاصمة كانت من قبل وحدات أمنية. حتى أنّ بعض كبار السياسيين والوزراء التابعين لبن علي اعتقدوه انقلابا أمنيا بغاية السيطرة على الحكم منهم الوزير الأوّل محمد الغنوشي الذي هاتف سمير الطرهوني بعد إعلانه تسلّم الرئاسة بسبب الشغور الحاصل على إثر فرار بن علي، واستفسره الأمر هل يريد تسلّم مقاليد الحكم أم لا قائلا له “أنا لست رئيس البلاد”؟ كما تبيّن ذلك شهادة العميد سمير الطرهوني نفسه أمام فرقة العوينة في ذات القضية..

ورغم أنّ مؤشرات عديدة تؤكّد أنّ ما قام به سمير الطرهوني كان فعلا مغامرة فرديّة اختار خوضها لعدّة أسباب وطلب لها الدعم من أصدقائه في الوحدتين الأمنيتين المذكورتين سالفا، إلاّ أنّ رشيد عمار صرّح في شهادته أنه لا يعتقد أن الطرهوني قام بذلك من تلقاء نفسه رغم أنّه كان في غرفة العمليات برفقة رؤساء الطرهوني في العمل منهم جلال بودريقة الذي تحوّل بنفسه للمطار وحاول إثناء الطرهوني عن مغامرته وإيقافه للطرابلسيّة الذين حاولوا الفرار من البلاد بعد أن بلغهم أنّهم باتوا غير محميين في تونس سيما بعد مداهمة منازل عدد منهم قبل يوم من قبل الأهالي الغاضبين مما اضطر عدد منهم لقضاء ليلتهم في قصر سيدي الظريف مع ناهبة تونس الأولى ليلى الطرابلسي. إلا أنّ رشيد عمّار تراجع لاحقا في تصريح تلفزي عن اعتقاده أنّه كان هناك من يقف وراء تحرّك الطرهوني وزملائه والذين أوقفوا لاحقا ووقع التحقيق معهم ثمّ تمت مكافأتهم بعد ذلك من قبل حكومة الباجي قائد السبسي.

إلاّ أنّ عوامل أخرى عديدة تؤشر لوجود عناصر خفيّة لعبت دورا مهما زمن اندلاع الأحداث لاسيما وهي قادرة على اختراق ذبذبات الاتصالات اللاسلكية الأمنية والعسكرية حيث تمّ العب على معنويات الوحدات الأمنية والعسكرية وسكان القصر الرئاسي وذلك عن طريق تسريب إشاعات راديوية بوجود طائرة مروحية ستقوم بعملية إنزال في القصر لاغتيال الرئيس المخلوع وبارجة حربية مجهولة في محيط القصر الرئاسي وأحد الأفراد المندّسين في عناصر الأمن الرئاسي الذي سيقوم باغتيال بن علي وغيرها من الإشاعات التي أدّت إلى انهيار جزء كبير من المؤسسة الأمنية. ومعلوم أنّ مثل هذه الأفعال لا يمكن لأيّ كان القيام بها ما عدا الفرق الخاصة والمحترفة المدّربة جيّدا على التجسس والاختراق وتسريب الشائعات وبث البلبلة داخل أوساط الهدف لهزمه معنويا قبل ضربه من الخارج. وهو ما يجعل من فرضية أن يكون أحد الأجهزة الاستخبارية الأجنبية قام بذلك فرضية قوية كما قال ذلك أحمد شابير ثمّ تراجع لضغوطات أو تهديدات ومخاوف معينة على ما يبدو. خاصة أنّ فترة ما بعد الثورة وتغيّر المسارات السياسيّة والأمنية والاقتصاديّة ومختلف المعطيات على أرض الواقع وإعادة ترتيب مراكز القوّة والحكم في البلاد تدلّ على صحة هذا المنحى.

 

إشارات قويّة للدور الأمريكي..

تعددت إثر نجاح “الثورة” التونسيّة والتي تمّ اختزالها فقط في هروب بن علي وبعض أصهاره والقبض على عدد آخر من أعضاده وأقاربه، القراءات والتفسيرات والأحداث. وبدا يظهر تدريجيا دور بعض السفارات الأجنبية في البلاد كسلطة حاكمة خفيّة تمسك بزمام الأمور وتتدخل في القرارات والحوارات السياسية بل وحتى التعيينات في المناصب الحساسة. وقد بدا الدور الأمريكي واضحا على ساحة الأحداث التونسيّة منذ 2011 لاسيما بعد خروج عديد المتهمين السابقين بالإرهاب من السجون وحصولهم على حيز كبير من الحريّة والتحرك والاحتكاك بالمجتمع والمشاركة السياسية. وقد تزايد هذا الدور تعاظما بالتوازي مع أحداث الربيع العربي في دول الجوار كليبيا ومصر على وجه الخصوص حيث يسير نسق الأحداث في الدول المذكورة بشكل متقارب وأحيانا متواز مما يؤشر إلى تناسق واضح في التدخل في الشأن الداخلي للدول التي شهدت “الريبع العربي” والتي أصبحت بعد أقل من ثلاث سنوات بؤرا للتوتر و”الإرهاب” وهو ما فتح باب التدخل الأمريكي سياسيا وأمنيا واستخباريا واسعا على عكس الدور الذي كانت تلعبه إبّان حكم بن علي الدكتاتوري والذي أحكم الخناق حتى على النفوذ الاجنبي في تونس عن طريق القبضة الأمنية. هذه المعطيات المتطورة لاسيما من بعد حادثة السفارتين الأمريكيتين في كل ليبيا وتونس في توقيت متقارب زاد من قوّة مبررات التدخل الأمريكي في الشؤون الداخليّة في كل من البلدين تحت ذرائع مقاومة الإرهاب القديمة الجديدة. حيث تحوّلت بعض دول المغرب العربي وتحديدا تونس وليبيا والجزائر التي لم تطلها رياح “الربيع” بسبب قوّة نظامها العسكري الحاكم، إلى معقل جديد “للتطرف” الديني و”الإرهاب” الدولي، وهو ما أعطى للدولة الأمريكية خاصة وبعض دول الغرب عامة ذريعة قويّة للتدخل في الشؤون الأمنية والسياسية خاصة في تونس التي لم تشهد الأحداث فيها عنفا مسلّحا بقدر ليبيا وسوريا مثلا. كما ساهمت أحداث الثورة في شبه انهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية في تونس وتزايدت فرص الفساد والسرقة والرشوة وشهد المشهد الاقتصادي تراجعا كبيرا ممّا جعل البلاد ترزح أكثر تحت سلطة الدول “الواهبة” والبنك الدولي وصندوق النقد الأمريكي الذي بات يتحكم في القرار التونسي منها على سبيل المثال اشتراطه تصنيف تنظيم أنصار الشريعة تنظيما إرهابيا وتصفيته كما أعلن ذلك بعض نواب المجلس الوطني التأسيسي المنتمين للحزب الحاكم والترويكا.

كما وجد العديد من المحللين في القبول الأمريكي المفاجئ بالدور الجديد لما يسمونه بـ “الإسلام السياسي” في المنطقة منعرجا جديدا على مستوى الخارطة السياسية في المنطقة العربية منها بالخصوص تونس ومصر. ففي تونس كان لحركة النهضة نصيب الأسد في الانتخابات الاولى بعد الثورة وهو ما كان منتظرا لعدة مؤشرات سياسية واجتماعيّة بينما انتظر الشق العلماني واليساري تكرار السيناريو القديم بالانقلاب على “الإسلاميين” عند فوزهم بالحكم وهو ما كان متأكدا وأكّدته تصريحات وزير الداخليّة السابق فرحات الراجحي عندما صرّح بسعي أطراف لتنفيذ انقلاب عسكري إذا ما نجحت حركة النهضة في انتخابات أكتوبر 2011 مما أدى إلى تأجيل السيناريو أو التراجع عنه لاسيما وأنه لم يكن مدعوما أمريكيا على ما يبدو حيث كان التوجه الأمريكي في المنطقة ينزع إلى اختبار شق جديد في الحكم وإن كان ذي مرجعيّة إسلامية.

إلاّ أنّ الحقيقة لا تبدو اختبارا أو تجربة جديدة بقدر ماهي مغامرة أمريكيّة في المنطقة منذ البداية تهدف إلى خلق مشهد جديد على الساحة السياسية في تونس والمغرب العربي والمنطقة العربيّة ككل لأهداف معيّنة يبدو أنها غير جليّة إلى اليوم أو انها تضع لسيطرة جهة ما متطرفة تسعى إلى إطلاق يد “الجهاديين” في المنطقة وخلق نوع من الفوضى الطويلة لتنفيذ أجندة أمريكيّة صهيونية معروفة وهي إقامة دولة “إسرائيل الكبرى” وهو مطمح ما كان ليتحقق في ظلّ الحكم الدكتاتوري السابق في مصر وسوريا وليبيا والعراق. إلاّ أنّ تونس كانت البداية فقط لتكون سببا لتشجيع الشعوب العربية الرازحة تحت الحكم القمعي الدكتاتوري على الثورة والتمرّد. ولأن تونس أيضا تعتبر حالة خاصة في “تصدير” الجهاديين نحو مناطق التوتر على غرار العراق سابقا وسوريا اليوم وغيرهما. ولاشكّ أنّ كلّ فصول المآمرة أو المغامرة الأمريكيّة الصهيونية في المنطقة كانت خاضعة من قبل لبحوث استراتيجيّة عسكرية وأمنية واجتماعيّة دقيقة ولعل اهم مثال على ذلك الدور الكبير الذي لعبته المنظمات الأمريكية خاصة في تونس قبل وبعد الثورة في تمهيد الطريق نحو التغيير الحاصل على المشهد الجغراسياسي اليوم.

كما لا يخفي للمتابعين للشأن الأمريكي بالذات نزع لوبيات صهيونية إلى جعل المنطقة العربية منطقة ساخنة وساحة حرب وذلك تنفيذا لتعاليم معتقدات مسيحية ويهودية متطرفة تسيطر على تلك اللوبيات التي تسيطر بدورها على مراكز القرار الأمريكي والدولي وتسعى إلى إقامة الهيكل المزعوم ودولة إسرائيل الكبرى وتمهيد الطريق لخروج المسيح الدجّال.

 

من فصول المخطط الصهيوني في تونس 

كعادتها لم تقف القوى الدولية والغربية على وجه الخصوص وقفة المتابع والمتفرج على ساحة الأحداث “المفاجئة” التي شهدتها تونس على حين غرّة وكان منطلقها حادثة انتحار شاب في لحظة ضعف وإحباط ليست هي الأولى على مستوى نسق الأحداث الاجتماعية في تونس. فقد سبقت هذه الحالة حالات أخرى منها واحدة في قصر بلدية ولاية المنستير وأخرى أمام القصر الرئاسي وغيرها. وهي أحداث ليست بمنعزلة عن واقعها الاجتماعي والاقتصادي. وبعد أن عرضت فرنسا بداية الحراك الشعبي في الولايات الداخليّة المساعدة الأمنية على النظام المخلوع من أجل مساعدته على ردع المحتّجين، على لسان وزيرة خارجيتها التي لم تكن على ما يبدو متصلّة بالخفايا التي باتت تحيط الأحداث الجارية في تونس والمنعرج الذي شهدته خاصة مع بداية سنة 2011، اختارت قوى دوليّة أخرى إما التعامل المباشر عبر الاتصال ببعض المعارضين السياسيين والتنسيق معهم وإمّا بالتعامل مع الأحداث والأطراف المتصلة والفاعلة بصفة غير مباشرة عن طريق عملائها وأصدقائها من هنا وهناك وعلى رأسهم سفارة الولايات الأمريكية المتحدة ومن ورائها خلايا جهاز الموساد الإسرائيلي الذي كان معششا في أكثر من موقع في تونس منها مكاتب بعض السفارات الأوروبية المعتمدة وبعض غرف نزل دولي معروف بالعاصمة وشقق أخرى في جربة وسوسة وجندوبة وغيرها.

تحركت هذه القوى بسرعة من أجل توجيه نسق الأحداث بما يخدم أجنداتها الخاصة ولا يتعارض مع مصالحها الاقتصادية والسياسة في البلاد. فكان مخطط القوى الدولية المتطرفة ينزع نحو مزيد تشتيت توجهات ورؤى الشعب التونسي وخياراته المصيرية والتضييق على تطلعاته عبر أجهزة الدولة المخترقة وما يعرف بحكومة الظل والعلاقات الدوليّة الدبلوماسية الأوروبية وغيرها. وبدأ فعليا وضع لبنات مخطط تقسيم المجتمع بعد الإطلاق المؤقت لأيدي “المتطرفين” بعد إعلان العفو التشريعي العام وإخراج “الجهاديين” و”الإسلاميين” عموما من السجون وعلى رأسهم ما عُرف بمجموعة “سليمان” التي قامت بعمليات مسلحة ضدّ نظام المخلوع في عام 2006. وفعلا بدأت تنجح هذه المساعي عبر نشر الإشاعات وإثارة الفتن وخلق بؤر تغذية التوجهات “التكفيرية” عن طريق بث بعض الأفلام والصور المسيئة للإسلام والشعائر الدينيّة وهو ما جعل رحى التقسيم الإيديولوجي يدور في الوسط الاجتماعي والفكري والثقافي دون توّقف لاسيما بعد تغذيته إعلاميّا وتجنيد بعض العملاء والمندسّين لنشر الأفكار المتشددة والتحريض على باقي أطياف المجتمع التونسي وخلق الفتنة بينها بتعلات تغيير نمط المجتمع أو “أسلمة” الدولة وأخونتها وصوملتها وأفغنتها وغيرها من المصطلحات التي تم استعمالها عمدا في الإعلام من قبل عدد من الوجوه السياسية عن قصد وغير قصد. وبالمقابل وقع تحريض من الجهة الأخرى ضدّ كل نفس إسلامي جديد في البلاد حتى وصل بالبعض من المحرضين إلى الدعوة إلى قتل الإسلاميين وإعادة السلفيين إلى السجون وبالتالي التعامل مع فئات من المجتمع التونسي وكأنها عدوّ غاز آتى من كوكب آخر وكأنهم ليسوا من أبناء البلد. ومعلوم أنّ هذه التفرقات والتقسيمات لم تكن معهودة في زمن بن علي بسبب غلقه الأبواب ضدّ كلّ التيارات من اليمين واليسار المتطرف بالقوّة والاستبداد وهو ما جعل الوضع يتفاقم تدريجيّا ويكوّن بيئة مناسبة للفوران والانفجار الاجتماعي والإيديولوجي.

وللأسف نجح مخطط تقسيم البلاد وتعددت دعاوى التفرقة بين فئات المجتمع وشرائحه وحتى بين الأحزاب السياسية التي دخلت في صراعات حزبيّة فاقمت من الوضع الاجتماعي والاقتصادي الراهن عوض معالجته وهو ما مهّد الطريق إلى ظهور فزاعة الإرهاب المفاجئ باسم الدين والذي لم يكن موجودا حتى إبّان حكم بن علي وذلك عن طريق استعمال هذه القوى الدولية المتمرسة في مجابهة “الجهاديين” في أفغانستان وباكستان، فقامت بخطوات استباقية بدسّ عدد من العملاء من التونسيين وغيرهم داخل الجماعات الدينية المختلفة والأحزاب وحتى هياكل الدولة واختراق وزارة الداخلية مما سهل عليه الأخذ بزمام الأمور في البلاد بشكل غير مباشر وهو ما مكنها تدريجيّا من افتكاك سلطة القرار من السلطة المنتخبة عن طريق آليات الحوار والتشاور الدبلوماسي والتعاون في مكافحة الإرهاب الوافد من الخارج وغيره من الآليات الاستخبارية بالأساس والتي كانت من أهم توصيات باتريوس (رئيس الاستخبارات الأمريكية) للإدارة الأمريكية منذ قيام الثورة وإلى اليوم لاسيما بعد النجاح في تأجيج حالة الانقسام والغليان عن طريق افتعال حوادث الاغتيال السياسي والعمليات “الإرهابية” المفاجئة والمتوازية “صدفة” مع المسارات السياسية في البلاد مما أدّى إلى تغيير آليات التداول على السلطة بشكل غريب ولافت من آلية الانتخاب والاختيار إلى آلية التعيين عبر الحوار الوطني والذي جعل موازين القوى الاجتماعية تتغلب على القوى السياسية المنتخبة بحجة الحفاظ على تماسك المجتمع والوحدة الوطنية التي ساهم نفس من يقومون على الحوار في فترة ما في نسفها وتكريس انشقاقاتها وتشتتها.. ومازال إلى اليوم مخطط التقسيم ساريا صلب المجتمع التونسي عبر علل التكفير والإرهاب والتطرف ومعاداة الإسلام وغيرها من الدعاوى، بينما تظلّ القوى الخفية تنهب البلاد وتتحكم في قراراتها المصيرية والتاريخية بشكل أسوأ من ذي قبل حيث كان الوضع يقتصر على تسليم الأمور لأنظمة دكتاتورية عميلة تحفظ مصالح الغرب بشكل محدود مما جعلها تكسب نوعا من القوّة والصلابة أحيانا أمام هذه القوى وباعتماد نفس الذرائع والحجج كمحاربة الإرهاب والإسلاميين الذين مازالوا إلى اليوم الشماعة التي تعلّق عليها كل الأنظمة الغربية مساوئها وأطماعها في ثروات البلدان العربية وأسواقها وحتى سكّانها الذين يراد لهم أن يكون وقود حرب إبادة من أجل تشكيل جديد للخارطة الجغراسياسية القادمة والتي تحفظ رقعة أكبر لدولة بني صهيون من البحر إلى النهر..

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*