الافتتاحية: الحكومة والماخور.. والفريضة الفرنسية؟

تونس – السفير
بقلم: ظافر بالطيبي

جاءنا خبر التهديد الإرهابي لماخور عبد الله غش، صباح الثلاثاء، رغم كونه خبرا عاريا تماما عن الصحة عراء أهل الماخور، ليذكرنا مجددا أن الدولة التي تنص في البند الأول من دستورها أنّ دينها الإسلام، والتي تبني المساجد وترعى الدين، هي نفس الدولة التي تبني المواخير وترعاها وتسهر على نشاطها وممارسة روادها البغاء والرذيلة.. في مشهد سريالي مليء بالتناقض حد الذهول.
دولة بطم طميمها وكل جنودها وقوانينها وحكامها ترعى الدين من ناحية وما نهى عنه الدين في نفس الوقت من ناحية أخرى. ترفع كلمة الله باليمنى وكلمة الشيطان باليسرى، ورب عذر أقبح من ذنب.

دولة تنصب في هيكل حكمها شيخا باسم مفت للجمهورية، وتجعل في حكومتها وزارة للشؤون الدينية، ولها مجلس إسلامي أعلي.. وفي نفس الوقت تأسس وتنظم المواخير والدعارة؟ ألا تعاني مثل هذه الدولة عاهة هيكلية وتنظيمية وعقدية وفكرية وعلى جميع المستويات؟ كيف يرعى طرف واحد الإسلام من جهة والدعارة من جهة أخرى إلاّ أن يكون غير مخير في ذلك أو مجبر أو أنه قد تم تدجينه واجتثاث هويته وجذوره وأصوله..

ولعلنا لفهم هذا التناقض لابد أن نقف على تاريخ أشهر ماخور في تونس والذي لايبعد سوى خطوات على جامع الزيتونة المعمور في المدينة العتيقة وسوى خطوات أخرى على قصر الحكومة حيث تدار شؤون الدولة ولاشك أنه موقع رسمي استراتيجي في خارطة الإدارات والمؤسسات التونسية. هذا الماخور تأسس في أربعينات القرن الماضي أي أنه من التراث الاستعماري وهو فريضة فرنسية على الدولة التونسية.. ويبدو أن دولة الاستقلال أرادت أن تحفظ لنفسها شيئا من ذكريات المستعمر فجعلت من بيوت الدعارة وعلى رأسها ماخور نهج “عبد الله غش” كدليل على أنها دولة منفتحة وغير “متشددة” وحداثية التوجه فرنسية القبلة علمانية الشعائر، وذلك رغم دين المجموعة العامة وهو الإسلام.

قد تعجز كل التحليلات والتأويلات عن فهم هذا الانفصام الكياني الذي تعيشه تونس بالذات كدولة مسلمة ضاربة في تاريخها الإسلامي فهي دولة الزيتونة والقيروان. ولاشك أنه انفصام قائم بالأساس عن عقد قديم بين دولة الاحتلال ودولة الاستقلال الجديدة التي لابد أن تحافظ على تراث وإنجازات فرنسا في تونس، كما حافظت على أسماء جلاديها وقتلة شعبها وخلدت ذكراهم في كبريات الشوارع والساحات.. فكيف لا تكون دولتنا دولة الدعارة والماخورات؟ وكيف لا تحافظ حكومات بلدنا منذ الاستقلال المنقوص على عادات المحتلين وفريضة الفرنسيين؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: