الافتتاحية: الإرهاب “المجنون”.. وصناعة الاستخبارات الدولية !!

تونس – السفير – ظافر بالطيبي

يبدو أن إرهاب القرن الواحد والعشرين بات أكثر قوة وذكاء وفاعلية من نظيره فيما سبق، فلأول مرة استطاعت آلته الغامضة اقتطاع دولة كاملة من دولتين جارتين هما سوريا والعراق، وتأسيس قوة مهمة لسنوات عجزت أمامها جيوش البلدين والتحالفات الدولية، إلا مؤخرا.
ولكن المتتبع لشأن هذا الإرهاب الذي طل علينا فجأة وتعاظم بعد الثورات العربية أي منذ 2011 يلحظ بما لا يدع مجالا للشك أن هناك من يقف وراء هؤلاء “المقاتلين” متعددي الجنسيات الذين جاؤوا من كل حدب وصوب من أجل “نصرة إخوانهم” السوريين أو إقامة “دولة الإسلام”..

فلم يكن قتل كبير الجهاديين وزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن منتصف 2011 من قبل الاستخبارات الأمريكية في بيت بباكستان على مرمى حجر من إحدى القواعد العسكرية الاستخباراتية الباكستانية، إلا تمهيدا لصناعة “الزعيم الجديد” للتنظيم “الجهادي” الجديد، أبو بكر البغدادي وتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام..
فما كان للتنظيم وزعيمه أن ينجح في بناء دولتهم وإن ظرفيا ومؤقتا وزعيم تنظيم القاعدة على قيد الحياة، حيث لا يمكن لسفينة واحدة أن يقودها زعيمين، ثم إن بن لادن سيكون أولى منه بالخلافة التي أعلنها وأعطاها لنفسه.

وإن كان لبروز ما يعرف بتنظيم الدولة في البداية ما يبرره على أرض الواقع من حالة الحرب والفتنة الطائفية والانشقاق الذي يعيشه العراق ثم الثورة السورية التي سرعان ما اتخذت منعطفا آخر لتصبح حربا أهلية وأممية بلا هوادة. إلا أن شبهات ارتباط هذا التنظيم والعديد من قياداته ومنتسبيه لدوائر الاستخبارات الغربية والإقليمية وحتى العربية تكاد تكون حقيقة ظاهرة لكل ذي عينين. بل تأكدت فيما بعد عندما أصبح الزعماء وكبار سياسيي العالم يتهمون بعض الدول العظمى بالوقوف وراء تأسيس التنظيم لغايات استراتيجية سياسية واقتصادية وحتى جغرافية. على غرار الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب الذي اتهم سابقه أوباما صراحة خلال الحملة الانتخابية بالوقوف وراء تأسيسي تنظيم “داعش” كما يسمى اختصارا.

ومن المؤكد أن هناك مصالح غربية سرية خفية من تأسيس مثل هذا التنظيم وتهيئة الأجواء له وفسح المجالات إلى حدود معينة ثم القضاء عليه بعد ذلك، بعد تخريجه وتفريخه المئات بل آلاف الإرهابيين المتطرفين وآلات الموت المتحركة باسم الدين وإعلاء كلمة الدين.. من أبرزها وأظهرها تشويه الإسلام والحد من انتشاره في الغرب وخاصة أوروبا وهو ما يبرر نجاح العشرات من الإرهابيين إلى حد اليوم في العودة إلى أوروبا بعد تلقي التدريبات والتكوين على تنفيذ شتى أنواع عمليات القتل والتفجير..

فمن الواضح بما لا يدع مجالا للشك أن كل العمليات التي تحصل في الغرب ناهيك عن بلاد الإسلام من إرهاب باسم الدين هو بالأساس ضرب في الدين نفسه ومظاهره لدى الناس، وعليه تتغذى أوكار العنصرية واليمين المتطرف والتيارات العلمانية واليسارية التي يراد لها أن تكون حاكمة في كل الدول العربية والإسلامية وبالتالي تعود الأنظمة المنهارة حديثا بعد الربيع العربي إلى حظيرة الغرب من جديد بعيدا عن أيادي الإسلاميين وإن كانوا من المعتدلين كما هو الحال في مصر وتونس والمغرب وتركيا وغن كان المثال التركي يختلف عن سابقيه بدرجات..

فالجميع يعرف اليوم أن الإرهاب في الحقيقة إنما هو حرب سياسية خفية من أجل الحصول على الحكم والثروات وإن كانت تنفذ باسم الدين او عن طريق “جهاديين” مستدرجين عبر خطط ذكية ودقيقة وغاية في التنظيم والمتابعة.
فما حصل في تونس على سبيل المثال من اغتيالات سياسية نفذتها عناصر “جهادية” متطرفة ومغرر بها بصفة غير مباشرة من وكالات استخبارات أجنبية كانت غايتها سحب البساط من تحت أقدام الحكام الجدد الذين أتت بهم الثورة. ولعل الدليل على ذلك ما نشره بعض الصحفيين الفرنسيين في كتاب عن كواليس القضاء والمخابرات الفرنسية في علاقة بالرئيس السابق فرانسوا هولاند في كتاب بعنوان “الرئيس لا ينبغي له أن يقول هذا”، حيث تكلم هولاند عن إعطائه الإذن للاستخبارات الخارجية بتنفيذ أربع عمليات اغتيال..

ولعل أغبى المتابعين للأوضاع المحلية والمغاربية لن يفوته أن هولاند كان يقصد تونس بالذات في هذه الاغتيالات، وقد سبق لجريدة السفير الإلكترونية التونسية أن كان لها السبق في الحديث عن الكتاب وما فيه، حيث أن تونس من أهم المستعمرات الفرنسية السابقة وهي من أهم الدول المغاربية المنفتحة على فرنسا والتي تعتبر علاقة الارتباط بها كبيرة جدا سياسيا واقتصاديا وحتى ثقافيا واجتماعيا ناهيك عن المسؤولية الاستعمارية التي مازالت تتوهمها فرنسا إزاء تونس. إلى جانب كره الفرنسيين للإسلاميين بصفة عامة وإن كانوا من المعتدلين والحداثيين نظرا للعلمانية الفرنسية التي تنتهج سياسة إقصاء الدين ومعاداته بدل فصله فقط عن الدولة.

كل ذك يثبت أن لفرنسا واستخباراتها دورا كبيرا فيما حصل في تونس من اغتيالات سياسية وتغيير لأوراق الحكم واللعبة. كما أن أبا بكر الحكيم التونسي “الجهادي” الذي التحق بتونس بعد الثورة بينما كان من المفترض أن يكون سجينا هناك، والذي كان به دور كبير في تجنيد المقاتلين والمتطرفين في تونس وتنفيذ عمليتي الاغتيال إلى جانب العديد من التحركات الأخرى في ليبيا ثم سوريا، هو في الواقع عميل تابع للاستخبارات الفرنسة..

والأدلة على ارتباط الاستخبارات الدولية للقوى الكبرى في تنفيذ الهجمات “الإرهابية” التي تتم باسم الإسلام عن طريق شباب متطرفين غير ناضجين ومغرر بهم وقد يكونون تحت تأثير عقاقير غريبة وحبوب “هلوسة” ومخدرات، كثيرة جدا وأصبحت معلومة اليوم من العديد من المتابعين للشأن العربي والدولي. وليس ذلك ببعيد عما يسمونه الغرب في مراكز دراساتهم الاستراتيجية بالجيل الرابع من الحرب غير المتماثلة التي تقوم على الاستدراج والإكراه على قبول إرادة الآخر عبر تحديد الخيارات مسبقا والتوجيه الخفي للأشخاص ومجريات الأحداث وغيرها. وهي من الاستراتيجيات التي تدرس اليوم في مراكز الاستخبارات الغربية ولاسيما الأمريكية والصهيونية.

يبقى من المهم والمفيد جدا أن يعلم العرب والمسلمون المعتدلون اليوم أنهم هم المستهدفين من الإرهاب قبل أوروبا أو بعض العواصم العربية ومن الحكمة دائما أن ننظر في الأسباب والمسببات ونعالجها بدل النظر في النتائج والتباكي عليها..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: