الافتتاحية: أبناؤهم في أوروبا.. وأبناؤنا في بطن الحوت !!

تونس – السفير – ظافر بالطيبي

أبناؤهم في أوروبا، وأبناؤنا في بطن الحوت..

أقولها بكل أسف وحرقة على “حراقة” هذا الوطن من أبنائه المنبوذين من دولتهم ومجتمعهم وحتى من ذويهم وأنفسهم. ليس فيها تكريس للجهوية أو العصبية أو أية حساسية سياسية كانت، بقدر ماهي تعكس واقعنا الأليم الذي نعيشه اليوم في تونس في ظل تراكم كل مظاهر الفقر والبطالة والتهميش والخصاصة لدى الأغلبية الساحقة من فئات مجتمعنا المأزومة.

نعم أبناؤهم في أوروبا، أبناء الوزراء والرؤساء ورجال الأعمال وكل من في السلطة وحتى المعارضة (والشاذ يحفظ ولا يقاس عليه). تحدثت عنهم قبل أشهر قليلة صحيفة ديلي ميل البريطانية ونشرت صورهم التي تعكس مدى الترف والبذخ المفرط الذي يعيش فيه أبناء القلة الثرية في البلاد.
فهم سواح من بلد لبلد ينفقون أموال أبائهم في الاستجمام والسهرات والعلب الليلية واقتناء الكماليات بأبهض الأثمان.. دون أن يعلم الشعب من أين لهم هذا؟ في ظل واقع البلاد المتردي اقتصاديا واجتماعيا وعلى كافة الأصعدة والمجالات..

أما أبناؤنا، أبناء عامة الشعب، أبناء الكادحين والطبقة الوسطى وما تحتها وإلى ما تحت الأرض، فهم إما في السجون والمقاهي والبقية منهم في بطن الحوت المتوسطي.. يركبون مراكب الموت والمخاطرة من أجل البحث عن لقمة عيش عجز أثرياء البلد من الحاكمين وأصحابهم عن توفيرها لهم أو بالأحرى غير مبالين أصلا بتوفيرها لهم أو بإيجاد حلول لهم، رغم أنهم شباب البلاد وأنهم الأكثرية العاملة والكادحة والتي من المفترض أن تكون احتياط البلاد وجيلها القادم.

ركبوا قوارب الموت طمعا في “جنة” أوروبا المزعومة بعدما عاشوا في جحيم وطنهم المكلوم سنوات وسنوات دون بريق أمل من المتكالبين على حكم الوطن وعلى كراسيه الذهبية المتحركة.

قالها رئيس حكومة سابق (مهدي جمعة)، “الكعكة التونسية تكفي الجميع”، فلا خوف عليكم أيها الأوروبيين وليس أيها الشعب المسكين، لا خوف عليكم من الجوع فنصيبكم من ثروات البلاد المنهوبة محفوظ.. أما الشعب فلم يلتفت إليه أحد من هؤلاء الحاكمين؟
شباب انقطع به الأمل بعد ضياع ربيع عمره بين المقاهي و إعلانات الجرائد بحثا عن عمل محترم يضمن له عيش الكرامة.. أوليست الثورة قامت واندلعت من أجل الكرامة والتشغيل؟

ولكنه بعدما فقد الأمل وتعب من أقراص المخدرات وكؤوس الخمر لتناسي واقعه المأزوم ، لم يجد حلا غير ركوب أمواج البحر ذكورا وحتى إناثا من أجل البحث عن أسباب الحياة في بلاد الضفة الأخرى مادامت ثروات البلد ليست لأهل البلد ومادامت أموال الأثرياء لأبنائهم فقط وليست للمشاريع والتنمية ومادامت الحكومة لا حول لها ولا قوة إلا في فرض مزيد من الجباية والأتوات على الشعب ومن مازال به نفس من الحياة !!

بكل حرقة ولوعة نُقلت إلينا صور غرق عدد من شباب تونس في أعماق المتوسط بعد أن تحطم قاربهم في مطاردة مع خافرة لجيش البحر التونسي هذه المرة.
فحتى المغامرة والحلم بالسفر إلى حياة أفضل أصبحت ممنوعة على شبابنا إرضاء لبلدان أوروبا التي ضمن لها حكامنا نصيبها في الكعكة التونسية وحرموا منها شباب وطنهم.
فإن نجوا من مهالك البحر ومخاطر خوض أمواجه بين العواصف والرياح، اعترضتهم خوافر الجيش الإيطالية أو التونسية أو المرتزقة لتقول لهم بطن الحوت أرحم منا لكم.. فمكانكم ليس في وطننا ولا وطنكم بل في بطن حوت المتوسط الذي استلذ طعم لحوم أسلافكم وسابقيكم..

فذنبكم أنكم لستم أبناء الأثرياء والحاكمين، ولا أبناء أصحابهم المقربين.. ذنبكم أنكم شباب حالمين في وطن اللصوص والسارقين والفاسدين..

لكم الله يا شباب وطني.. لك الله يا وطني..
مُتنا ومُتنا، ولم يحيَ الوطن !!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: