“الإرهاب” في تونس.. بين السياسي والإيديولوجي

سارعت أغلب القوى الوطنية الفاعلة وغيرها سياسيّة وأمنية وإعلاميّة، منذ ظهور ما يسمى بـ “الإرهاب” في بلادنا إلى الإدانة والتنديد والتعبير عن الرفض المطلق لهذه “الظاهرة” الفجائيّة المستجدّة ببلادنا دون مقدّمات أو وجه حقيقي ومطالب. بل وأغرقت التحاليل الإعلامية والسياسيّة والأكاديميّة أيضا في كيل عبارات التحقير والذم والشتم للمتورطين في هذه الأعمال التي انطلقت شرارتها فعليا بزرع حقول من الألغام في جبل الشعانبي قبل نحو عامين راح ضحيّتها عشرات الشباب من الأمن والجيش الوطنيين، دون محاولة تفكيك الظاهرة والوقوف على حقيقتها ومعرفة الدوافع الأساسيّة للعمليات التي طالما تزامنت ببعض المسارات والأحداث السياسيّة في العاصمة الشيء الذي يثير استغرابا كبيرا ونقاط استفهام تقتضي أكثر من التريّث والتمحيص لفهم الحقيقة ومحاولة الوقوف على أهم فصولها وتفاصيلها. وكانت هذه التحاليل تنزع منذ البداية إلى اتهام ما يسمى بالتيار السلفي الجهادي وخصوصا تنظيم أنصار الشريعة وراء العمليات أدى إلى تصنيف التنظيم تنظيما إرهابيّا في عهد الحكومة السابقة.

ورغم ثبوت تورط عناصر فعليا كانت تنتمي لأنصار الشريعة في عمليات الاغتيالات السياسية وبعض العمليات إلاّ شقا كبيرا من المشهد لايزال يلّفه الكثير من الغموض. وبغض النظر عن تفاصيل عديدة جعلت كثيرا من المراقبين يشككون في هويّة هذا الإرهاب الوافد علينا في تونس ما بعد الثورة فإنّ تعامل الحكومات المتعاقبة منذ 2011 ووزارة الداخليّة مع هذه الأحداث ظلّ هو الآخر تعاملا مضطربا وغير مقنع في عديد الحالات وصلت إلى حدّ الاضطراب والتناقض في تقديم المعطيات والمعلومات في بعض الندوات الصحفية والتصريحات بدءا بقصّة “الإرهابي” نبيل السعداوي وأحداث الروحيّة إلى يومنا هذا.

فالرواية الرسمية ظلت متمسكة إلى آخر اللحظات أنّ ما يجري هو صناعة مجموعات دينية متشددة تنتمي للتيار المذكور أو المتعاطفين معهم على ارتباط وثيق بتنظيم القاعدة، ولكنها أغفلت في نفس الوقت الخوض في الإمكانيات الكبيرة التي تملكها هذه المجموعات المسلحة والعمليات النوعية التي استطاعت القيام بها متجاوزة بذلك مناطق عسكرية عازلة وحواجز أمنية عديدة جعلتهم يصلون حتى بيت وزير الداخلية السيد لطفي بن جدو في القصرين. هذا السكوت عن القدرات اللوجستية والمعلوماتية والنوعية المفاجئة لمجموعات خرجت أكثرها من السجون بعد الثورة يثير نوعا من الريبة في أنّ الوزارة والحكومة والرواية الرسمية عموما تكتم الكثير من الحقائق عن الشعب والرأي العام لاسيما منها تلك التي انتشرت وتسربت من هنا وهناك في بعض وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعيّة وعلى ألسن عدد من السياسيين والإعلاميين والخبراء محليا وحتى دوليا.

لعل آخرها وأهمها ذلك التسريب الذي تم تسجيله للناطق الرسمي باسم الوزارة محمد علي العروي مع النائب بالمجلس الوطني التأسيسي الأستاذ عبد الرؤوف العيادي، تحدث فيه عن وقوف جهات استخبارية معيّنة وراء العمليات الإرهابيّة في بلادنا واختراقهم للتنظيمات المشاركة في العمليات منها المخابرات الأمريكيّة والفرنسيّة.

كما أشارت أصابع الاتهام في أكثر من مرّة إلى كبار الجنرالات الجزائريين وعملهم على تقويض الأمن في البلاد وذلك خدمة لبعض الأجندات السياسية والحزبيّة وتقليصا من نفوذ بعض القوى السياسيّة الصاعدة وخاصة منها ما يسمى بقوى “الإسلام السياسي” المتمثل في حركة النهضة ذات الأغلبية البرلمانية في المجلس الوطني التأسيسي. وهو أيضا ما صرّح به الدبلوماسي السابق والمعارض السياسي المعروف محمد العربي زيتوت في أكثر من مناسبة.

هذه الحقائق وغيرها مما لم يكشف عنه بعد ظلت الحكومة تتجاهلها ولا تسعى إلى إيقافها أو مصارحة الشعب بها ربما لأنها عاجزة عن ذلك خاصة في واقع تفكك الدولة ووزارة الداخلية خصوصا واختراقها من عديد الأجهزة الاستخباريّة الدوليّة وباعتراف الوزير السابق نفسه وحتى الوزير الحالي الذي قال بأنّ أكثر من 100 مدير محال على التقاعد الوجوبي هم صناديق سوداء للوزارة يقومون برد الفعل وتسريب أسرار ومعلومات دقيقة حول المؤسسة الأمنية..؟

بينما ركزت الحكومة وبعض سائل الإعلام المسيّسة على حصر التهم فقط في “الجهاديين” الذين تحوّلوا فجأة إلى أبطال يجوبون الجبال ويخترقون المناطق العسكرية وينفذون الاغتيالات دون أن تطالهم يد الأمن إلا بعد الانتهاء من بعض الأزمات السياسيّة بعينها؟؟ وهو ما يطرح عدة نقاط استفهام حول المحرك الحقيقي والفعلي لهذه الآلة الإرهابيّة التي تتغذى للأسف على بعض الشباب التونسيين المغرر بهم والذين أوقعتهم العاطفة والحماسة والجهل في أحضان أجهزة مخابرات متمرسة لا ترحم ولها خبرة وسوابق في التعامل مع مثل هذه الأحداث واستغلال “المتشددين” أو “المغرر بهم” أو “المدفوعين” إلى ردات فعل انتقامية نتيجة أفعال وتجاوزات مورست ضدّهم من السلطات الحالية أو السابقة..

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم يتبن هؤلاء “الإرهابيين” كل البطولات التي قاموا بها لحد الآن في تسجيل مصوّر استعراضي كما جرت العادة مع كل التنظيمات الجهاديّة من قبل؟؟ أم أنّ موعد كشف الحقيقة ونزع الأقنعة مازال لم يحن بعد؟؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*